أنا والقراءة – يوميات.

تقول لي أختي، أنها لم تتعرف على أحد يقرأ مثلي. بهذه الشراهة، والإلتزام والجدية، مع أن جميع من هم حولها يحبون القراءة جداً، تقول توصلتُ بعد تفكير عميق في هذه المسألة: بأنكِ مضطربة، لا يمكن أن يكون هذا سوياً.

كنتُ لا أتوقف عن القراءة، حتى في المشاوير التي أقترحها تنتهي بي أمسكُ كتاباً وأقرأ، للمقهى، للبحر، للمزرعة، وكان الناس يستعينون بالكتب ليقضوا وقتاً طيباً في البيت، أما أنا فلم تكن لديّ هذه الرفاهية، كنتُ بلا شك أعرف أن الأوقات الطيبة ليست في هذا البيت.

أعرف بأن مديح القراءة، صار مستهلكاً، ومكروراً على نحو يبعث على الضجر، أصلا لا أحب هذه الغنائية المصاحبة لفعل القراءة، لكن من الإجحاف أن نتوقف هنا، دون أن ندرك أن كل شيء اليوم بات موضوعاً غنائياً، هنالك إقبال لا نظير له نحو الموضوعات، ومحاولة تمثلها، الجميع يريد أن يكون شغوفاً، ربما يكون هذا هو الدين الجديد. شخصياً أحب متابعة أكثر الناس إسترخاءً، من لا يريدون شيئاً ولا يفعلون أي شيء، حيث لا استحقاق ولا علاك مصدي. يقرأون كتاباً واحداً في الشهر أو أقل من ذلك، أو يحبون إعادة قراءة كتاب أعجبهم في قراءة سابقة. أعرفُ صديقاً، يعمل مبرمجاً، لا يقرأ أبداً في السنوات الأخيرة، لكنه أعاد قراءة مدن الملح لعبدالرحمن منيف ٤ مرات، وكان يفكر في هذه الأيام الصعبة أن يعيد قرائتها، لديه مكتبة صغيرة من ٤ رفوف، هي حصيلته من الكتب. أوه كم تنفرني صور المكتبات الكبيرة، أو المليئة بالكتب والاكسسورات، أشعر برغبة في القيء كلما شاهدت واحدة كهذه.

قد لا يعني هذا أكثر من كراهيتي الشديدة لذاتي، فأنا أمتلك مكتبة كبيرة، وأنفق كل مالي تقريباً على الكتب، ولا أتوقف عن القراءة أبداً، وقلما أُعيد قراءة كتاب، لكن مع ذلك لا أخفي افتتاني الشديد، بالتمهل، والبطء، والتخلي، والتطلب الشديد.

تقول أختي، أنها تحتاج لأجواء خاصة لتقرأ، وتتعجب كيف يمكنني أن أقرأ كل الوقت، قد أساعد نفسي هذه المرة، ولن أؤذيها، في الحقيقة بالنسبة لي فإن جو العالم في الخارج واحدٌ لا يتغير، مكتوم، ساقط، متداعٍ، لزج، غير معقول، غير مفهوم بطريقة ليست حلوة، وهذا كافٍ بالنسبة لي.

هنالك نقطة مهمة عند الحديث عن القراءة، اللذة، أعبدها، وهذا مغثٍ أدري، لا أستطيع مواصلة قراءة كتاب بالإنجليزية لأنني أُعمل ذهني في محاولة فهم المكتوب والإلتفاف حول معناه، لا أستلذ مباشرة، وتتعبني هذه المسافة، أنا مهووسة للأسف الشديد، وبطريقة عصابية فجة، بالطعم الذي تمنحه القراءة، كما لو أن شيئاً يغمرني في العالم، يدنسني به كله دون نقصان، فيصبحُ ملكاً لي! شيء أشبه برغبة سيمون دي بوفوار أن تأكل المحلات وواجهاتها التي تومض، لفرط حبها لها! أريد أن أقترح في كل لقاء، أن يمسك كل واحد بكتابه وأن نقرأ معاً. أحياناً أقايضُ الوقت الذي أقضيه في مهمة ما، مع ما كان سيحصل لو أنني كنتُ أقرأ في ذلك الوقت، تنتصر القراءة دوماً، كما لو أنها موضوع جنسي، إلا ان هذا الشبق، لا يخلو من إتجاه جنسي، قوامه، إثراء حسية تذهب لأن تملك العالم المحسوس وتسيطر عليه.

بروست كان يشمئز ممن لا يتخذون أصدقاء من غير القراء، آسفة بروست، لكنني لا أفعل ذلك من شعور بالتفوق، بل على العكس من ذلك، خوف مضاعف من اساءة الفهم، وعدم القدرة على تبادل لغة واحدة مشتركة. ليس لدي أصدقاء لا يقرئون، بل إنهم جميعاً (تقريباً) يشتركون معي في الذوق والميول. قال لي ثاني طبيب مخبول، داومتُ على مواعيده، ينبغي أن لا أرتبط إلا بمكتئبين، وكان هذا هو أكثر شيء ذكي سمعته منه.

بروست في الزمن المفقود يسخر من الذي لا يقرأ سوى الكتب الجادة، اليوم هنالك ما يعرف ب literature و pop fiction ، اليوم صرتُ أكثر انفتاحاً على تفضيلات الناس، لكنني لا أستطيع أن أتجاهلها عندما أحكم عليهم مع نفسي، ومازلت أحقد على المتأكدين من موهبتهم، مرة كتبت واحدة تحبونها كثيراً للأسف، “أنا متأكدة أنني مختلفة وغير عادية” لا أعرف بصراحة كيف أثق بتقييمكم لما أكتب، وأنتم تحبون هذه! ما علينا.

أكره الحديث عن القراءة بوصفها نقيضاً للعيش، القراءة هي تجربة موازية لعيش الواقع، على الأقل لم أر في واقع من يصرون على هذا الكلام، شاهداً على أنهم يحظون بحياة أفضل! ثم أن التجربة الخيالية ليست أقل من التجربة المحسوسة، بل إننا جميعاً وبصور متفاوتة نتغذى حتى في أكثر أوقاتنا حميمية على مشاهد استرجاعية تمنحها لنا المخيلة. بل ونتعاطى مع هذا المحسوس، بإعتباره شيئاً له إسم، إسم تنبثق معانيه وطريقة التعاطي معه عبر الذاكرة.

ماذا اقرأ؟

عندما كنت أعمل موظفة في متجر كتب، جاء زبون ذات مرة، وسألني هل قرأتِ هذا الكتاب، وكان كتاباً رديئاً بلاشك، أعرف كاتبه جيداً، لكنني قلت بكل تهذيب، لا للأسف لم أفعل، ثم وجه لي خطبة عن خذلانه الشديد من أنني لا أعير “الكتب الفكرية” إهتماماً، لابد وأنه تابعني على تويتر وإستنتج هذا من نوعية الكتب التي أقرأ، وقد صرح بالفعل، رغم انني لم أحدثه من قبل قط، بأنني أقرأ الأدب حصراً، هززتُ رأسي معتذرة على خيبتي! ولم أجد أن الموقف يستحق الدفاع، أنا أقرأ الأدب وحتى وان كنت أقرأ كتباً أخرى، فلن أعرف نفسي إلا بوصفي قارئة للأدب، ولتذهبوا للجحيم، أصلا لا حاجة لكم في الذهاب إليه، أنتم هناك، كل من يوجهون هذه الملاحظة بإستعلاء مضحك!

أنا مضطربة فعلاً، ومثيرة للغثيان بصورة ما، وأبدو آسفة الآن على ما كتبته هنا.

مكتبتي

أنا والقراءة – يوميات.

تعليق واحد على “أنا والقراءة – يوميات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share