إعلان كراهية.

ما زلتُ أتذكرُ جيداً ذلك اليوم الذي وقفتُ فيه على جرف الوادي المحاذي لبيتنا، وكنتُ لم أبلغ التاسعة بعد، فكرتُ بأهمية أن يكون للأشياء نقيضها، لنعرفها، ونحس بها، وقد ظننتُ في ذلك الوقت، أنها فكرة نابغة لم يسبقني إليها أحد، متل تأملات أخرى ضخمت من نرجسيتي في العقد الأول من عمري. سرعان ما تبهت هذه الفكرة كلما كبرت، أو تصبح ببساطةِ حجر ألقي قبل زمن بعيد على صفحة الماء، فسقط هناك في أقصى عمق ليس مفيداً بعد الآن. ولعل الموقف الذي كشف لي ذلك، عندما سألتني صديقة في محادثة عابرة: من تكرهين؟ وقفتُ ساهمة لبعض الوقت، أحاول أن ألتقط صورة لشخص أكرهه، أمررُ شريط حياتي في مخيلتي، وأنتظر، لكن لم يكن لهذا الانتظار وصول.

تخيلتُ أنها تقصد أشخاصاً.

 أستطيع أن أسمي من أحب، دون تلكؤ، والأسباب التي دفعتني لمحبتهم، أكره أفكاراً، الكثير من الأفكار والأشياء، أكره الحياة مثلاً، أكره الحيرة، أكره الفروق الطبقية، أكره أننا نمتثل لنظام ما، أكره العسكر، أكره الذكوريين، الشوفينين، الكباب، ونفسي.  

لطالما خشيت الأشخاص الذين لا يفضلون شيئاً محدداً، لذلك وفي صميم نفسي أعرف أنني أقدر الكراهية، وأن شخصاً لا يكره، يشكلُ خطراً عليّ، ربما لأنني شخص حدي، ولأنني أريد أن أعرف أين تميل، لكي أعرف أنك لن تؤذيني فيبطلُ مفعول الخوف البديهي منك. وهكذا صرتُ محفزةٍ لكي أعلن عدم محبتي، فسئلت كثيراً: من تحبين إذن؟ ومع ذلك لا يبقى لهؤلاء الذين لا أحبهم مكان فور مغادرتي تلك اللحظة التي تضطرني للتعامل معهم، لا يصبح لهؤلاء أفكار مجردة راسخة في ذاكرتي، وهكذا وبعد بعض الوقت، أجد أنني لا أكره شيئاً في الواقع.

في شقتي الجديدة في إسطنبول لديّ غاز للطبخ، وطوال خمس سنوات عشتها في مسقط لم أفكر بأن هذا مجد بأي شكل من الأشكال، تبطنُ هذه الفكرة إيماناً بوجودي الطارئ في مسقط، لا أشعر بأنها مكاني أبداً، طباخة كهربائية صغيرة تفي بالغرض حتى حين! سهلٌ نقلها مع تغيير الشقة، وأكثر أماناً من برميل الغاز! أتبينُ الآن أنه النزوع نفسه نحو ذلك الشكل من البلادة، تلك السحابة الخارجة من رأسي، وأنا أفكر فيمن أكرههم، خاوية، قطنية، وسرعان ما تذوب وتتبدد! ألا يمكن أن تكون كل الأشياء التي أكرهها إذن هي محاولة لمقاومة خواء أكبر، يعلنُ عن نفسه كل دقيقة، وأنا لا أريد، لا أريد على الإطلاق أن أكون عدماً لانهائياً، وأنني أفعل ذلك بالغريزة وحدها؟

آه كم أحب الأشياء المستعملة بإفراط، حقيبة جلدية تسعُ كتاباً، حذاءٌ رياضي كان أبيض، مقلاة أمي، ستارة من الكتان، جينز، وسترةٌ للبرد، يُفقدُ الوقت الأشياء من فانتازيتها، تصبحُ مجرد شيء قديم وباهت، وفي ذلك الخوف، والطمس، والتكرار اعترافٌ لا يُمكن رده. ومع ذلك هل أكره الأشياء الجديدة؟ أشعرُ بأنني أخاف منها أكثر، أتركها بالورق الذي يلفها لبعض الوقت، حتى لا تُهدر سريعاً وفي غير مكانها، أشعر بالاضطراب، لماذا لا أقول أنني أكره الناشرين العرب الذين لم يجيبوا على رسائلي طلباً لنشر كتابي؟ أو أقول شيئاً أكثر بساطة، شيءٌ غير ضبابي، لا يغشى هذه الكتابة بالعته والتردد، لكن آه كم أحبُ الأشياء المستعملة فعلاً!

أشعرُ بالحاجة لأن أضع يدي على كتف أحدهم وأن أقول أنا أكرهك، لكن لا بأس، أحتاج لهذا الآن. لا تهتم لستُ شخصاً يهمك أن لا يكرهك، ومع ذلك، عندما يتعاظم شعور الكراهية في نفسي، سأوجهه لك وحدك، أنت الجدير بهذه الكراهية، وربما أقطع هذا الاعتراف بأن أقول أنني لن أنسى لك ما فعلته في ذلك اليوم، مهما كان بعيداً او قريباً، وأنني أعرف تماماً، أنني حينها تألمتُ كثيراً، وأن نسيان هذا، هو خديعةٌ أخرى أدعى بالكراهية. أريد أن أوصلك حتى باب بيتك، وأن نقف أمام الشقة، وأن أقول هذا كما لو أنني لا أقول شيئاً مفاجئاً، بنبرة الصوت نفسها التي قلتُ بها للنادل: ماء بدرجة حرارة الغرفة لو سمحت، أكرهك!

إعلان كراهية.

2 فكرتين بشأن “إعلان كراهية.

  1. و أنا أكرههم لأجلك، رغم اني قارئة سيئة لا تشتري الكتب ولم تنهي الروايات المحملة في هاتفها او لابتوبها ربما الوحيد الذي تستمع بقرائته هو سيوران
    وأنت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
10 Shares
Tweet
Pin
Share10