حلقات من التحلل – ف . ج . زيبالد

عندما بدأتُ بقراءة زيبالد في عمله المترجم الأول “المغتربون” وحتى في “حلقات زحل”، بدا كما لو أنني أسير على منطقة غريبة، سرعان ما يشهد زيبالد خروج أرنب في مساحة خاوية في لاورفورد ١٩٧٢، هي أنقاض مكان قديم فيصاب بالفزع. يكتفي السكان المحليون بوصف هذه المنطقة ب “الجزيرة” يبتعد عنها الصيادون، وحتى من يرغبون في العزلة، إذ أن وحشتها لا تطاق بعد قليل من الوقت، وفي الكآبة المكتومة لهذه الجزيرة، كان يتمشى هناك بدعة، حتى شعر بشيء يشبه التحرر التام، المشوب بالحزن الشديد، كان الفراغ يتعاظم على نحو لا يطاق. وهو بالمناسبة يشبه لحد كبير ما وصفه ميشيل مافيزولي بالضرورة القصوى لما هو مفرغ أمام مزاعم الكمال والإمتلاء، تعملتُ منذ تلك اللحظات أن أفهم أن قراءة زيبالد تعني أن تترك نفسك، وأن تستمتع بسحر كل شيء ستتعرض له، دون أن تحتج على إنخطافه السريع، من ذرة الرمل على فستان مدام بوفاري، لأن فلوبير كان مكتئباً لفترة طويلة، وكثيراً ما شعر أن كل أعماله لا تساوي الرمل، فإذ به يحلمُ بسحابات غبار، فتتجلى في أعماله، إلى لوحة رامبرنت عن التشريح. في متتالية تشبه الحلقات فعلاً، يحدث هذا كله في سافوك عندما يقرر زيبالد أو بطل هذه الرواية – إذ أنني لا أعرف الحدود بين المتخيل والواقعي في هذا العمل، كعادة زيبالد، ومثلما يفكر في الكتابة – الإنطلاق في رحلة لإكتشاف الساحل الشرقي لإنجلترا. هذا أيضاً ما كتب في مقال عن أهمية قراءة زيبالد في نيويورك تايمز، حيث وصفت كتابته، وأترجمها ب: “تجربة تثير الإرتباك، يكمن هذا الشعور في الإحساس بالغرابة، وعدم اليقين حول ما نقرأه بالضبط، في منطقة لا نعرف بالضبط إذا ما كانت على حدود الواقع أو الخيال، تمنح كتابة زيبالد الإنطباع بأنها مجرد ظل خافت للحدث الفعلي. فما يبدو أنه يكتب عنه، ليس بالضرورة هو ما يريدنا أن نفكر فيه” وبالحديث عن الحدود بين المتخيل والواقعي، ثمة شيء طريف حول قراءتي للمغتربون، إذ أن الرواية التي تحمل فصولاً أربعة عن شخصيات، جمع بينها الإغتراب الذي لا يسمى بشكل مباشر، إلا أنه يصبح كالهالة الكبيرة، التي تطوقهم، على أعقاب ما حدث في الهولوكوست، وكأنها مرثية، خلف كل صورة يضعها زيبالد، وتحت نثره المتدفق، تحسُ بشيء جنائزي هو ذلك الإغتراب. ظننتُ أنني أقرأ سيراً ذاتية، وفوجئتُ بعد إنهاء العمل أنها لم تكن كذلك.


وهكذا فإن حلقات زحل، ليست إلا هذه الرحلة، التي نذهب فيها لكل المناطق التي تم تدميرها أو إبادتها، في شيء يشبه توثيق “التدمير” الذي هو سمةُ العالم، ليست هنالك دراما واحدة داخل هذا العمل، بل هي قصص كثيرة أثارت فضولي وحفزتني واحدة تلو الأخرى، قصص عن أماكن، وشخصيات، وأنشطة إقتصادية، وكتب، وحيوانات، كما لو أنك تفتح صندوق “المتحف المغلق” للمؤلف الموسوعي توماس بروان الذي كتب عنه زيبالد في الفصل العاشر من حلقات زحل، إلا أن هذه القصص الكثيرة، لا تحمل تحولات مختلفة، فهي في النهاية، أرشيف عن الإبادة القصوى، وإن بدا زيبالد مهتماً بسمك الرنجة الذي يضيء بعد أن يموت، فهو على نحو ما يقدم لقارئه شيئاً عن ما يبدو أننا نسيناه، عن ما يكمن خلف هذه الحياة التي نعيشها اليوم، فعمارة بلجيكا هي مقبرة واقفة لكل أيادي العبيد الذين سرقتهم لأجل بنائها، مثلما هي الطبيعة والشواطئ، ولحظات الغروب، والغابات، عندما وقف في بداية هذا العمل عند نافذة لا ينسى أن يترك لنا صورتها، بعد عام على بداية رحلته هذه، في مستشفى نوريتش مريضاً، فكر في كل تلك المساحات الشاسعة التي قطعها وبدا له أن لا شيء مرئي في هذا العالم، كل شيء عبره في سافوك “تقلص لنقطة وحيدة عمياء وصماء”، لاشيء مرئي، كتب عبدالله حبيب في تشظيات ومضامين جملة لم أعثر عليها الآن، حول ما إذا كان كل شيء بخير في هذه البلاد، إذا كانت كل أوجاعها غير مرئية وتحتاج للنبش، أو ربما مثلما سيقول لي في وقت لاحق، لو مسحنا قليلاً على جلودنا لظهر الوجه البوليسي لها. هنا أيضاً،في كتاب زيبالد، علينا أن لا نتوه عن فكرة “الظل الخافت للحدث الفعلي”.

“يتناسب هذا الإقصاء العجيب للجسد المعروض بوضوح للفرجة مع تبين أن قرب لوحة رامبرنت الشهيرة من الواقع – إذا ما أمعنا النظر فيها بدقة أكبر – هو قرب ظاهري فحسب. على عكس ما هو معتاد لا تبدأ عملية التشريح المعروضة بفتح البطن وإزالة الأحشاء، التي تعد أسرع الأعضاء تهيئا للتحلل بل بتشريح اليد المذنبة و(هذا أيضا قد يشير إلى ضرب من ضروب العقاب). ولهذه اليد قصة غريبة فهي ليست فقط غريبة في نسبتها وتناسبها مقارنة مع اليد الأقرب لعين الرائي بل هي أيضا تشريحيا معكوسة تماما. والأوتار المكشوفة التي كان يفترض حسب وضع الإبهام، أن تكون للكف الأيسر هي لظهر اليد اليمنى، اذا فالأمر هنا لا يعدو أن يكون سوى مجرد تركيب مدرسي محض لصورة مأخوذة من الأطلس، تحولت بسببه اللوحة التي يمكن القول إنها رسمت لتحاكي الواقع، وتحديداً بؤرة الاهتمام بها أي حيث يوجد التشريح، إلى تصميم فاشل جداً. على الأرجح، من الصعب أن يكون رامبرنت قد أخطأ، وعلى ما يبدو لي فإن خرق التصميم متعمد. فاليد غير المتناسقة مع الشكل هي إشارة إلى السلطة التي تتجاوز أريس كيندت. والرسام يتماهى معه هو، مع الضحية، وليس مع النقابة التي كلفته باللوحة، وهو الوحيد الذي ليست له هذه النظرة الديكارتية، هو الوحيد الذي يشعر به، بهذا الجثمان، المخضر المنطفئ، ويرى الظل في الفم نصف المفتوح، وفوق عيني الميت. “

“تقريباً في منتصف السبعينات بدأ عدد الأشجار يقل بشكل ملحوظ. ووقعت خسائر كبيرة خصوصاً في أنواع الأشجار الأكثر إنتشاراً في إنجلترا. وفي إحدى الحالات وصل الأمر إلى انقراض نوع بأكمله. ففي عام ١٩٧٥ وصل مرض الدردار الهولندي القادم من الشاطئ الجنوبي إلى نورفوك. وبمجرد انقضاء صيفين أو ثلاثة، لم تعد في محيطنا شجرة دردار واحدة على قيد الحياة. في يونيو ١٩٧٨ يبست أشجار الدردار الستة التي كانت تظلل بركة الماء في حديقتنا خلال أسابيع قليلة، بعد أن ورفت بخضارها الفاتح البديع. انتشرت الفيروسات بسرعة رهيبة وتخللت الجذور في جادات كاملة مما تسبب في تضييق المسام الشعرية، وأدى خلال فترة وجيزة إلى جفاف الأشجار. كما أن النماذج المنفردة منها قد هلكت أيضاً، بعد أن تمكنت خنفساء القلف التي تنشر المرض من العثور عليها بثقة تامة. كانت ثمت شجرة داردار، لم أر لها مثيلاً في الكمال وقارب عمرها المئتي عام، تقف في حقل مفتوح غير بعيد عن بيتنا وتحتل جزءاً هائلاً من الفضاء. وأتذكر أنه وبعد أن هلكت معظم أشجار الداردار في منطقتنا جراء المرض، ظلت أوراقها التي إن تعد فلن تحصى بحوافها الرقيقة المسننة وافتقادها قليلاً للسيمترية، تهتز مع النسمة، وكأن الوباء الذي أفنى كل جنسها، قد مر عليها دون أن يترك أي أثر. وأتذكر كذلك أنه ما كاد أسبوعان يمران حتى أصبح لون هذه الأوراق، التي بدت حصينة، بيناً والتفت حول نفسها، وأنها استحالت قبل حلول الخريف إلى تراب. “


ألا تذكرنا شجرة الدرادر هذه إذن بحياتنا؟ ألا يبدو هذا التحلل مماثلاً لشيء نعرفه؟ وإن بدت هذه التحولات في هذا الكتاب، مثيرة على نحو ممرض، إذ لا تمدنا بأي شيء يقيني غير هذه التنقلات الطويلة بين مناطق راحة زيبالد وتأمله للشاطئ وبين كل ما تُرك محروقاً أو مقصياً أو ببساطة لم يعد مناسباً لتجارة إزدهرت ذات مرة، ألا يبدو هذا التأمل البارد الذي يمارسه زيبالد، قادراً على تعرية ما توهمنا أننا صنعناه، والأشد إيلاماً ما يبدو أنه مصدر زهو بالنسبة لنا. ليس هنالك راحة في قراءة زيبالد ذلك صحيح لكن وعلى النقيض تماماً يكمن في هذا النفض الهادئ تحرراً ما، فالآفات موجودة على نحو مجرد في هذا العمل، محكية بطريقة لا يضاهيها شيء، لا لتقول نفسها فقط، مع أن إعتبارها رمزاً أو إستعارة هو بحد ذاته شيء مؤسف، يؤكد على هشاشتنا وتمركزنا حول ما نظن أنه نحن. كم هو جميل أن ينتهي زيبالد او شخصيته هنا من تبييض ملاحظات هذا الكتاب في أبريل وأن أفعل أنا، في مكان لا أشك في أن زيبالد عرفه، مثلما عرف شجرة الأرز اللبناني، وأسواق العرب المصورة في شاهد تركه فنان قديم، على الأقل عرف زيبالد، كيف أننا نحتضر بلا عودة.

حلقات من التحلل – ف . ج . زيبالد

تعليق واحد على “حلقات من التحلل – ف . ج . زيبالد

  1. لنقل وهذا القول مأخوذ بدافع الرغبة بأن العنوان تأكيد للهرم، للتشضي، للعبث. عندما تكتمل الدائرة وتحيط بها تلك الاحجار المتباينة الاحجام تصبح زحل. لن أقوم بتأكيد للمطلق كل ما أريد قوله بأن العنوان أخفى الكثير وأظهر القليل. عمل عبقري وقراءة تؤكد حقيقة الدوران اللانهائي.

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
35 Shares
Tweet
Pin
Share35