خريطة لأزقة إسطنبول…

كنتُ أتمنى لو كان بمقدوري أن أكتب عن الأزقة المتباعدة والنائية، لكنني لم أعرفها بعد ولا أظنني سأعرفها قريباً، فبعد أسبوعين قضيتهما هنا، لم يبد لي أن ثمة أماكن مهجورة كثيرة في إسطنبول، ربما تكون ساحة المترو أكثر مكان خلي تأملتُ فيه لبعض الوقت، وعندما ظننتُ أنني اكتشفت مطعماً للسمك في زاوية شارع متفرع عن شارع استقلال الحيوي، تناسلت الأكشاك والمطاعم التي تبيع السمك كلما تقدمت، دخلتُ لإحداها لأن رجلاً عجوزاً كان يقف على الباب ويدعو المارين بالتركية، ليس سبباً وجيهاً للدخول إلى مطعم، ولكنني فعلت، في الطابق الأول منه لم يكن ثمة أي زبائن، كانت  هناك امرأة عجوز تجلسُ عند الزاوية، ومن الطريقة التي ترتب بها طاولات المطعم يمكن أن تستنتج بسهولة مزاج امرأة عجوز، أقمشة حريرية بيضاء تغطي الطاولة مع حواف من قماشة حمراء أقرب للمخمل، يمكن أن يتسخ الغطاء فوراً حتى من قاع زجاجة بيرة باردة، لابد أنها من تنظف وترتب المكان باستمرار.

بعد ميدان تقسيم تجدُ نفسك تسير في شارع استقلال، ومن هناك يمكن أن تهبط لجلاطة، كنتُ أميز الأسماء من قراءتي لباموق، وأفرح مثل الأطفال عندما تهديهم قطعة حلوى، هنالك قدرٌ من الخيلاء في هذا كله، صحيحٌ بأنه يشعرني بالذنب أحياناً، ذلك أنني أعرفُ سرديات عن هذه الشوارع، وللأسماء ما يميزها في ذاكرتي، عندما أصل إلى الشاطئ، وتحت جسر محطة المترو، تجلسُ فتاتين بشعر ملون، واحدة لونته بالوردي والثانية بالأزرق، يخرجان قنينة نبيذ أحمر وكأسين زجاجين، ويتضاحكن وهن يجلسن على الحافة. أفكر أحياناً بشعوري كله، هل يكفي للكتابة؟ أعني أنني أحسُ بهذا القدر، والأشياء كي تحضر في العالم، تثبتُ نفسها أمام عينيّ، اللتين تشعران بمسؤولية مذنبة تجاهها.

لم أزر كل المواقع السياحية الهامة في إسطنبول بعد، تنتابني نوبات من الشعور بأنني أعرفها جيداً، لطالما اعتبرت نوري جيلان المخرج التركي، هو الأقرب لذائقتي، وأحب فيلمه “البعيد” أول أفلامه جداً، تلك الصالة التي يشاهد فيها البورنو وحيداً، تشبه عالمي الداخلي الضيق، إن أشباهي البعيدون كثر، ونحن اذ نشكلُ شبكة ممتدة وغير متصلة نظراً لطبيعتها المنفصلة، إلا أننا نمدُ عبر وحي ما أسرار الحياة والعالم، ولا يعود ممكنا أن ننتظر من الواقع أن يعلمنا شيئاً أكثر، إن لدينا معجماً محدوداً يكاد يكون الأكثر ضآلة من كل القواميس، ليس لدينا ملاحم سوى تلك التي تحدث فوق الأسرة داخل الغرف، أو البكاء المتقطع على أريكة جانبية، وما عدا ذلك فالليل كله لنا، والليل يجعل كل شيء سواسية، البوسفور أو آية صوفيا أو زقاق جيهان جير.

بجانب المعدية، ثمة مطعم مزدحم، أجلس لأرتاح فيه، وأطلب بلح البحر (المحار) وأحس بالأرز المحشور داخل المحارة جافاً، أقول أنني اخترت المكان الخطأ لأجرب إحدى أكثر المقبلات شعبية في تركيا. بجانبي زوجان يشربان العرق مع السمك، ويطلبان كلما مرت فترة أن تلتقطَ لهما صورة. يبدوان في آخر الثلاثينيات، ولا ترضيهما كل الصور، ويستمران بطلب التصوير من النادل، أحب هذا الإقدام الذي لا أستطيع فعل أي شيء مشابه له، النسيم القادم من البحر لطيف، وهنالك رجل يتمشى ب تي شيرت مكتوب عليه GOD IS DEAD والكثير من اللاجئين يتوزعون على الصخور المحاذية للشاطئ، أسمع لهجاتهم وأميزُ أماكنهم، على الرغم من صفاء الجو، إلا أنه مشحون بالحزن، شيءٌ ما في إسطنبول يجعلها منفى واضح، لا مواربة في النظر إليه، إن قنبلة في مكان ما، سيرت هذه المصائر إلى جانب البحر، تتأمل الذهاب لمكان أبعد، اليونان أو الموت. الأتراك أنفسهم يعرفون العربية، يقولون كلمة “خلاص” بمعنى يكفي، ولكنها تعني بالنسبة لنا شيئاً أهم أبعد، لكن من ينظرُ للبعيد؟

كثيرون هم من خضعوا لجراحة تجميلية للأنف، رجالاً ونساءً يتمشون في إسطنبول، ويجلسون بالورم والانتفاخات في وجوههم، في لقاءات عائلية، أو مع الأصدقاء، أفكر بأن جراحة الأنف لابد وأن تكون أرخص هنا، هل أفعلها؟ أو أثقب أنفي، لدي مزاج بوهيمي يقترب من المظهر “القوطي/gothic” أرتدي تي شيرت أبيض بأكمام طويلة، عليه صورة لمنحوتة إغريقية تظهرُ عناقاً بين حبيبين، وجينز أسود هاي ويست، ولدي فائض من شعور شبحي بأن العالم يسيرُ كما طابور من النمل على جلدي، وأن دمي أكثر سواداً من مضيق البوسفور ليلاً رغم كل الفنادق المطلة عليه، التي يُظهر فيها مختصو الإضاءة حرفتهم. تومضُ من بعيد المنارات والبيوت أعلى المنحدرات، ولكن يبدو أن الجبال البعيدة قد استنفدت كل الماء في البوسفور، وتبهتُ في مكانها ببطء.

لأول مرة أحسُ بأن تحديد جمال صوت يغني، مرتبط باللغة، لا أستطيع أن أعرف لو كان الطفل الذي في الشارع خلف علبة كوكولا مفتوحة من الأعلى، ويضع فيها المارين ليرة وليرة ثم ليرة، يغني بصوت جميل، هنالك الكثير من الشجن الذي أحسُ به، في كل مرة سمعتُ فيها لحن أغنية تركية قديمة، بدا لي قادماً من زمن بعيد، كجرح عقب القدم التي تمشي كثيراً، فإن عدوت مازال في مكانه يصدرُ خشخشته في جسدك الراكض دون رحمة. آه ما أجمل إسطنبول وما أحزنها.

خريطة لأزقة إسطنبول…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
24 Shares
Tweet
Pin
Share24