رسالة حب

تمنيتُ لو أنك نسيتَ ملاحظة صغيرة في صفحات الكتاب الذي أهديتني إياه، لو فكرتَ بأن توقيعك على الصفحة الأولى لن يكفي كل هذا الزمن الذي أحياه دونك. أسير بين الآخرين، وفي أكثر أوقاتي تناغماً مع العالم، مثل راهبة، يؤرقها سؤالك، فأنت ربها الذي يقفُ لا على حدود الأشياء كلها، بل يتلبسها، متيحاً لهذه المؤمنة الضئيلة أن تشك، وأن تعيش في غموض محبب، يشبه جبلاً ظلياً هائلاً كل ألوانه تشبه مجاز لونٍ أكثر منها لوناً واضحاً ومباشراً.

أفكرُ وأنا في رحلة تخييم، أقابلُ جبلاً وردياً باهتاً، بأنك عرضتَ علي الزواج، بعد كأس واحدة من العرق، وكُنت تنظرُ في عينيّ، بوجهك الذي غادره احمراره، وبدوتَ عندما قلت لي ذلك، كما لو أنني أجلسكَ على ركبتيّ، ما يجعلني على الفور أمسحُ على رأسك، متمنية أن أطمر رأسي في كأس عرقك. وما من سبيل لك لكي تعترض طريقي إليك.

استلقيت على جانبي الأيمن بجانب نار أشعلتها مع أصدقائي في رحلة التخييم، وتركتُ صديقتي تقرأ من الكتاب نفسه، تقرأ بصوت عال، لم أجرؤ على إصدار حركة واحدة، حتى لا أضيع مخرج حرف واحد من تلك القصائد، وكنتُ أفكر أنه خمري الذي أريد أن أعترف بعد كأس واحد منه، لولا أن البارحة التي مضت على وجودك معي، تناسلت كثيراً وبلا نهاية.

كل لحظة أعيشها، هي توقيعٌ على محوي من العالم، ومهما تحركتُ حول الحياة في مدارات، ما كانت إلا حلقات التلاشي التي ألقمها جسدي كله، لذلك كان حبك بالنسبة لي جسمانياً، اذ يمكنني ببساطة أن أؤشر عليه، وأن أراه يلمعُ، غير متطير، ويمكن تمييزه، حبك لم يكن إيماءة، بل ذراعٌ أو شحمة أذن.

الطقس معتدل، رغم أننا في يناير، لكن ومع قدوم الفجر يصبح الجو بارداً على نحو غير متوقع، نمتُ بمعطفي، وطويت جسدي داخل البطانية، كطفلة مستعدة لعبور البرد. لو أنني كنتُ سريالية، مثل جويس منصور، لظننتُ أن بردي، مثل خطوات تترك آثار أقدام نزولاً عبر العالم، وأنك الآن تحركُ مهداً لكي لا يوقظ الشتاء الطفلة الصغيرة الممحوة حبيبتك.

تحت سمرة، تدخلني أشعة الشمس خطية، يعترضها شوكُ السمرة وغصونها الدقيقة، وأوراقٌ لونها زيتيٌ، والعصافير تصفرُ في أشجار مجرى الوادي الذي يقع أسفل المكان الذي أجلس فيه، يقطع هذا المشهد طنين الذباب، الذي يحوم في المكان، كما لو كرشاً ضخمة انبجست عن حفلة طعام مكشوفة، وأشعرُ أنني في جنازة، وأن هذا الهدوء هو نعشكَ، وأن ذراعك ملت، أو أغراها مهدٌ آخر. وبهذا فإنني أنجح في إفراغ أكثر الأماكن سحراً من حمولتها، وأن أخبئ دموعي على سفح جبل متروك في البراري، رافضاً إياي لأنك رفضتني.

رسالة حب

2 فكرتين بشأن “رسالة حب

  1. جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ جدآ رائعة دخلت بجوها بمجرد ما بديت أقرأ، تسلم إيدك لي كتبت ودايم أحب أقرأ لك .
    بالمناسبة، حلمت أنك كاتبة نص تلفزيوني،
    وأني وأنا أتابع التلفزيون شفت أسم الكاتبة أنتي، شعور فرحني حتى بحلمي .
    كل التوفيق الرائعة جداً، أمل .

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
19 Shares
Tweet
Pin
Share19