سأقتل أبي

استيقظتُ اليوم على شعور من يقتل أباه، تلك الرغبةُ الطفولية في أن تذهب أبعد مما نشأتَ عليه، وأن تعكس الاتجاه، الذي وبطبيعة الحال يبدأ من وجه أبيك. ربما لأنني تعبتُ كثيراً، أو لأنني وقبل أن أنام في هذا الجو الرائق نسبياً، إذ أن درجة الحرارة كانت عند ٢٢ عندما ذهبتُ للفراش، كنتُ أتصببُ عرقاً، شاهدت مقطعاً لصديقتي ، تقول لي فيه أنني ألطف كائن على وجه الأرض، وهذه حقيقة لا ينبغي النقاش فيها. تحول الأمر في تلك الساعة إلى دافع للضغينة، والنفور، لا أريد أن أكون كذلك الآن، فلأقتل أبي، وليحترق كل العالم، بداية بأسفل السرير في بيتنا القديم حيث الأشباح، وانتهاءً بالطريقة التي تناول تُ فيها هذا الصباح، مجموعة قصصية لروبرت فالزر، يقول فيها: “بومة داخل جدار متهدم، قالت لنفسها: أي حياة مرعبة.” كان يمكن أن أكون من محبي البوم، فتاةٌ رقيقة، ترتدي قلادة بوم، تنام بجانب تحفة زجاجية لبومة، تحمل سلسلة مفاتيح لبومة، تضعُ في مرآة سيارتها الأمامية بومة نحاسية بعيون زائغة، كان هذا ممكناً جداً لولا أنني انشغلت طوال الوقت بعبادة أبي.

قبل نحو عامين بدأت بجمع كتب عن الأب، وفي هذا كم أبدو كاذبة ولعينة، إذ أن الأمر حدث بعفوية أكبر، كان القدر الساحر يرتبُ لي وفي تسلسل فريد – أو هذا على الأقل ما أفعله بتجاهل كل شيء آخر – قراءات لكتب يموتُ الأبُ فيها، مالفا ابنة بابلو نيرواد، الفتاة المسكينة والمنبوذة من والدها، ومن خلف الموت كله، تكتبُ عن جسده المسجى في التابوت، كناوسغارد يكافح ضد أبيه، أو يكافح ضد نفسه، بالتأكيد كافكا، كافكا الكثير جداً في رسالته لوالده، وقصص متناثرة هنا وهناك، هنالك طبعٌ حاد في هذه الرغبة بالانتقام، مما نحبه لهذا الحد، أليس الحب والكراهية وجهاً لعملة واحدة كما تقول كل الدراسات التافهة لطبيعة سلوكنا، آه طبيعة سلوكنا، كما لو أن هذا محدد ومفهوم ويمكن وضعه في درج، مثل قطعة ملابس أخرى، أو فردة حذاء، أو سندويشة مؤجلة.  كم أكره هذا العالم.

كنتُ أحرك أصابعي بتلك التلقائية المجمدة لشخص يُغيبُ نفسه بمشاهدة ما يفعله عفاريت الإنستغرام هذا اليوم، حتى توقفتُ ربما ولأن هذه التطبيقات اللعينة، وبخوارزميات لم تعد مجهولة، تجمعني بأشباهي المحتملين، أو هذا ما يحاولون باستمرار التلميح له، أننا نبحث عما يشبهنا، هذا الهوس التافه بتعريف الذات، المهم شاهدت مقطعاً لمذيع، هاها لابد وأن أستخدم كلمة زميل، لكنني لن أفعل، يبدأ السؤال بما يبدو ذكياً للغاية، قائلاً، “حريٌ بنا قبل أن نبدأ”، آه ما معنى كلمة حري. حسب المعجم هي مرادف لتعبير”من باب أولى” هل يبدو لائقاً جداً، أن أقول “حري بنا”، لأصبح من جوقة المهندمين جيداً في بداية الصباح، والذين لا يقضون وقتاً في الحمام، وهم يقلبون الهاتف عند بدايات الصحو، الذين يفكرون ملياً، أن ما هو حري ٌ بهم وخليق أن يقتلوا آبائهم، أن يطعنوهم بالخنجر نفسه.

متعبة جداً وعليّ أن أراعي العيب، ما لا ينبغي قوله، ما يحفظ مكانتي الاجتماعية، ما لا يؤذي سمعتي، والتي هي رهن سوق النخاسة الذي نطلق عليه تجاوزاً “المجتمع”. لقد فشلتُ تماماً، أنا فتاة حزينة، أكثر الحزن، هل يمكن أن أقتلع أعضائي الداخلية، أن أقدم عرضاً مسرحياً، أن أكون أرقوزاً لأثبت ذلك؟ مالذي أملكه، وعندما أكتبُ عن هذا مالذي لن أخسره، بالتأكيد لن أخسر هلعي، لا يوجد شيءٌ يُذهب الذعر، بإستثناء حبة زاناكس، ممنوعة من الوصفات الطبية هنا، آه تذكرتُ المرة الأولى عندما ذابت نصف حبة زاناكس في دمي، كان الوقت الوحيد الذي لم أكن فيه بحاجة لأن أقتل أبي، لم أفكر في الأمر، صحيحٌ أن أحداً لم يكن يحبني واستمر الوضع على ما هو عليه وأنا تحت تأثيرها، لم يكن أحد يحبني طوال التاريخ، لكن ذلك لم يبدو سيئاً لأول مرة، آه، لم يكن هنالك تلك العاطفة اللزجة، والمثيرة للغثيان، لم يكن هنالك شيء سوى حزن صافٍ مثل وجهٍ بدون أبٍ.

أتحدث للطبيب أن الدواء يناسبني كثيراً، لم أعد حادة الطباع، لكنني أحلم في الليل، كل شيء في وجهه السوريالي، لو رفعت كأس ماء في النهار، وجدتني ليلاً أغرق فيه، لكنني هذه الفترة لا أرى في منامي سوى مشهد واحد، أقف في عزاء أبي مثل خيال مآته، جثة تعجز عن تحريكها أصوات الآخرين، تمرُ وجوه أعرفها منذ زمن بعيد على الرغم من أنني لم ألتقيها قريباً، أفكر في الهرب من أيام التعزية الثلاثة، لكنني أعطفُ على حال أمي فألزم مكاني، كنتُ أستيقظ فزعة للغاية، ألهث كما لو أنني كنتُ في معركة دامية، طبيبي الذي يعلق لوحة مرسومة من مريض له، يحدقُ فيّ ملياً، ضجراً بكل تأكيد، يكره أنه عمل في هذه المهنة، ما لديه من هموم يكفي لهدم جبل، لكن التعزية التي سيقدمها لي اليوم، ربما كانت ستسليه قليلاً قبل سنوات، لكنها لم تعد مهمة. لا حاجة لي بأن أقول، بأنني وحيدة ومنبوذة وأخافُ أخافُ أخافُ كل الخوف، من موت أبي.

سأقتل أبي

تعليق واحد على “سأقتل أبي

  1. انتِ تكتبيننا

    لاتظلمي أمل الكاتبة وتخبئيها تحت ظل أمل الإعلامية

    ربما خلقتي لتكونيهما معا، حريصة على الحصول كل جديدك

    منى المعولي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
13 Shares
Tweet
Pin
Share13