عرفتُ إسم منطقتي في إسطنبول!

أستمع لمقطوعة موسيقية اسمها “بين ذراعيك”، كم جميل أن تعرف أسماء الأشياء، بدلاً من أن تكون غارقاً حتى رأسك في التجريد وفي العناوين الفضفاضة، أعرفُ أنني انتبهتُ لهذا منذ زمن بعيد، أعني أنني لا أنتبه للأسماء، يمكن أن أقضي وقتاً من الزمن في شارع ما، دون أن أعرف اسمه، أطلقُ عليه بعد مرور بعض الوقت، صفات مميزة، شارع الكليات مثلاً. تنبهتُ قبل يومين إلى أنني أسكن في بي أوغلو الذي جاء باموق على ذكرها كثيراً، عندما كنتُ أسأل عن المنطقة التي أعيش فيها، أقول بالقرب من تقسيم وشارع الاستقلال. والآن بعد أن عرفتُ اسمها مصادفة، أقرأ على منتجات كارفور القريب مني، “بي أوغلو للسكر” وأبتسمُ طويلاً، معتقدةً أنني عبرتُ الحياة إلى موقع آخر، غير الذي كنتُ فيه.

لديّ اعتقاد قديم، بأنني متيقظة للاتجاهات، أستشعر الطرق التي ينبغي عليّ سلكها، أتخيل شكل الخريطة، أصلا ظللتُ فترة من الزمن أتمنى أن أمتلك سيارة بشاشة خريطة مفصلة، لأعرف بالضبط أين أنا في هذه اللحظة ليس بالنسبة للمنطقة التي أعيش فيها فحسب، بل للجسم الذي يشكل خارطة بلدي، ذلك الهلال المعقوف، أتخيل هيئتي وهي تقطع رسم الخارطة، شغلني ذلك حتى بات مؤرقاً، أحاول أن أفهم من أين تأتي كل هذه الاستفهامات الملحة، وأفشلُ دوماً في الوصول إلى نتيجة، لديّ ما يكفي من المنغصات في حياتي اليومية، لكنني يوماً لم أتخلَ عن أسئلتي المماثلة.

أتمشى في منطقة بيرا، فندق بيرا، متحف بيرا، مقهى بيرا، كل هذه البهجة دفعةً واحدة. أتوقف عند نزل سوهو، الأشجار الكثيفة التي تحيط بالمدخل، وأتذكر لسعةَ الأفاكادو الحامضة الذي تناولته مع الخبز والبيض النيء، لو أنني أستطيع الدخول مجدداً، لكنني أحسُ بأنني غير قادرة على الانتباه لطبيعة الجو هناك، ففي جلسته الخارجية عليّ أن أكون أكثر انبساطاً، أما في الداخل، فهو مكان يعجُ بالسائحين ممن يفضلون هذا النوع من الفنادق الخاصة، وسيشغلني التدقيق في وجوههم وأماكنهم التي اختاروها،  مزاجي يُفضلُ الآن مكاناً أكثر سهولةً، لا يرتدي فيه الناس ملابس تعبوا في تنسيقها، جينز مع كنزة من الصوف وحذاء من “سكتشرز” ومهما بالغوا في صخبهم، سيبقون في حدود منغصات يومهم هذا وأعمالهم التي يقومون بها عن بعد.

لا أعرف من يقرأ كل هذه اليوميات، ولا أسأل نفسي كثيراً عن جدوى مشاركتها، أريدُ التخلص من عبء الاحتفاظ بي لنفسي طوال الوقت، صحيح بأنني أتمشى كثيراً، لكنني شخصٌ منغلق بما تعنيه الكلمة من معنى، ليست الأسماء التي لا أعرفها سوى بداية هذا التحفظ المليء بالعقد، والانكفاء الذاتي السلبي، أختي التي زارت إسطنبول قبلي، كانت تقول لي قبل أن أسافر، جربي كل شيء، ثم استدركت، لكنكِ لستِ من هذا النوع، أنتِ “كسلانة” وهذا صحيح، صحيح جداً، إن صحت التسمية!

عرفتُ إسم منطقتي في إسطنبول!

تعليق واحد على “عرفتُ إسم منطقتي في إسطنبول!

  1. انتظر ما تكتبين باستمرار ، واسعد دوماً عندما اجد شيئاً جديدا، استمري بوحك يظهر لي عوالم انفسنا البشرية المتلونة والتي تحوي كل اشكال حيواتنا ،
    دمت بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
20 Shares
Tweet
Pin
Share20