عندما يصدقُ العالم.

لا أصدق أشياء كثيرة، أجد صعوبة في تخيل صورة شخص يبقر بطن إنسان آخر. أنسى أن الموت يأتي من غير الحروب والتقدم في السن. وعندما قرأتُ عن رجل فرَّ من مدينته لأنه قتل أخيه، صُدمت وأخذتُ أفكر كثيراً في معنى هذا كله. أنا من حفنة البشر الذين يشردون في تأمل راحة يدهم، ويقولون بصوت عالٍ: أنا إنسان حي يتحرك! وهذا كله موجود بالفعل، وهنالك أقدامٌ تمشي، وقلوب تخفق، وهنالك طبيعة لا تكون صماء ابداً تحيط بنا من كل اتجاه، ثمة كتلة وجاذبية، وهنالك الوجدُ والانتظار.

أنا لا أتحدثُ عن هذا بصفته حدث عرضي، بل كعضو آخر من حواسي، أتمددُ فيه، يخترقني كما لو أنني جنين وهذه بذرتي، ماذا يطلقون في العادة على هذا النوع من الحزن؟ : (الإنكار؟ السذاجة؟ البراءة؟ الحلم؟ ) عندما كنتُ صغيرة رفضتُ أن أصدق أن أشخاصاً يجتمعون حول طاولة ويخططون لقصف بغداد، بينما نراقب أنا وأبي، ظلمتها عبر قناة الجزيرة، قبل أن يطفو فوق سمائها شعاع برتقالي متوحش، وتأتي نبرة المذيع المتكلفة والحماسية كما لو أنها صفعةٌ على وجهي. آه كم أحب أن يمرر حبيبٌ أصابعه على وجهي بدلاً من هذا كله. وأن أكتفي من العالم بهذا فقط! دون ركض، نحو احتمالات قد تكون صادقة بالفعل!

تعيسةٌ أكثر الوقت، متحفزة لكي أصدقَ الأشياء لأنني عادة لا أفعل، لذلك أقع فريسةً للنرجسيين، والمتأكدين، عندما يقولون شيئاً دون تلكؤ، أصدقُ على الفور، كما لو أنني إن لم أفعل ستفوتني الحياة. وعندما تقول لي البائعة أن العطر الذي أحمله في يدي اليمنى يدلُ على ذوق رفيع، أتنازل عن ذلك الذي أحمله في يدي اليسرى. وعندما يقول لي أحدٌ أنك تخطيئين في الأسماء الممنوعة من الصرف، أخطئ فيها كل مرة.

 جلس أبي معي قبل سفري للدراسة، وحدثني عن بودرة المخدرات التي توضع في الورد الجوري الذي كنتُ أحبه ولم نكن نزرعه، هو في بيت أغنى رجل في قريتنا فقط، قال لي أبي ألا أقبل وردة جوري أبداً، وكنتُ أتداعى في داخلي، متمنية أن ينقضي ذلك اللقاء سريعاً، بكيتُ بعدها كمن صدقَ أنه سيدمن مخدرات قُدمت له في وردة جوري قُطفت للتو.

يملي عليّ الآخرون ما ينبغي عليّ فعله، يفعلون ذلك بشكل مباشر غالب الوقت، وبطريقة ملتوية بعض الأحيان، لكنني ولفرط خجلي وضعفي لا أكشفهم أمام أنفسهم وأدعيّ أن الأمر انطلى عليّ. أشعرُ أنني مرآةٌ تنسخ ما يريده العالم مني، خرقة بالية تطيرها نسمة.

عندما يصدقُ العالم.

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share