قصة : ليست لغزاً

كان محطماً، يترنح على شاطئ السيب، يحسُ بالهزيمة تغمره، لو أنها تزوجت رجلاً آخر، لربما شعر بما لا يحسُ به الآن، لكنها تزوجت هذا الرجل، لم يكن يدرك بالطبع هذه الفكرة، من الأفضل ألا يفهم الناس أنهم يغارون ممن هم أفضل منهم. وإلا ظهر كل شيء على السطح، كل التمايزات القائمة على الطبقة الاجتماعية، أو الجمال، أو امتلاك المال، يجب أن يعيش الناس وهم يجهلون هذه الفروقات، وأن تبقى أسباب التناحر غير واضحة. آخر مرة تحدث فيها معها، كانت تبكي وتترجاه أن يتزوجا، لم تعد تطيق البعد عنه، وبعد وفاة أبيها، بدأت تحس بالخواء الحقيقي، لم يعد هناك ما يسلي عنها حزنها، وتخاف فقدانه هو الآخر. لكنه لم يكن مستعداً لخسارة زوجته التي تعيش في قرية صغيرة ب نزوى مع أولاده الخمسة، لأسباب كثيرة، ليس شخصاً يستطيع التغيير بسهولة، فعادة ما يستسلم للوضع القائم، حتى أنه عندما أعجب بها قبل ٤ سنوات، تفاجأ من قدرته على أن يكون منخرطاً في شيء كهذا، تبدو الأشياء بالنسبة له بعيدة المنال بل ومستحيلة، كما أنه تَشارك مع زوجته في بناء بيتهما الكبير، بدورين وغرف واسعة، وحوش بعشب اصطناعي لجلسات المساء التي لا يتذكرها إلا عندما يمضي الشتاء مذكراً نفسه أنه سيستغلها في الشتاء التالي، كيف إذن يستطيع حل هذا كله والبدء من جديد.

 عندما أحبته، لم يكن قادراً على رؤية أي مميزات فيه، وحتى هذا اليوم لا يعرف بالضبط لماذا اختارت الإذعان لطلبه المستمر في أن يلتقيها، وهذا الإلغاز في العلاقة بينهما هو ما دفعه للاستمرار، كانت فتاة جميلة ومن عائلة ثرية، مندفعة، تكتب الشعر، وكان مفلساً، ليس لديه اهتمامات واضحة، متزوج، لا يلتقيها إلا عند الشواطئ ليلاً، أو يذهبان معاً في جولة بالسيارة، كان خائفاً من أن يراهما أحد، حتى القهوة التي تحبها على مدار أربع سنوات لم يتناولاها معاً إلا في مناسبات نادرة في انتكاساتها الكبيرة. وفي يوم من الأيام بدأ يشعر بأنها لم تعد تستجيب لطلباته، كانت قد تعرفت على زوجها الحالي، وفي بداية الثلاثين لا تصبح المرأة هي نفسها، لكنه لم يكن يقول هذا في ذهنه أيضاً، ولم يعرف شيئاً عن الرجل الجديد، وبعد شهور من إحساسه بتغيرها، بعثت له رسالة، تطلب فيها ببرود لا يعرفه عنها، أن يتبعد عنها للأبد، لأنها سترتبط برجل آخر، لم يزعجه شيء في الرسالة، ربما حررته، لكن ومثل نثار الزجاج تحطم فؤاده حين لم يلمس أسفاً في رسالتها.

 لا يوجد ما هو كافٍ ليقرر فعل شيء، لكنه كتب لها رسائل عديدة، يعدها بالزواج قريباً، وبأنها أخيراً ستنام على صدره كما كانت تطلب منه بإلحاح، لم تجب بأي شيء بل وأنها وببرود لم يكن مصطنعاً حسبما رأى، حظرته حتى لا يستطيع أن يكتب لها أكثر. هي في المقابل كانت تحسُ بأنها عادت إلى ملعب النجومية، حيث تبدو البطل الوحيد في مكان ما، وقد غمرها ذلك بالتعويض اللازم عن كل ما عناه أن يبتعد رجلها المفضل للأبد، إحساس بالخدر، لم يكن هنالك ذلك الشعور بأنها تركت شيئاً ما ورائها، لا بالعكس، بدا أنها شخص آخر ببساطة، لا يذهب من مكان وقف فيه ذات يوم، بل إنه يمشي للمرة الأولى اليوم، لذلك لم يخطر على بالها ولا لمرة واحدة، لم تقارن بيه وبين الرجل الجديد، لم تفعل شيئاً كهذا ببساطة وحشية.

عندما كانت تسير في قاعة الزفاف، أمتار حتى تصل لكرسي العروس، شعرت بأنها في هذه اللحظات تفقد الشعور الغامر الذي أحاط بها في الفترة الماضية، تخسرُ وهجَ العروس الجديدة، التي إختارها رجلٌ ثري، يكبرها بست سنوات، ولم يختر امرأة غيرها، رغم أن عائلته حاولت مراراً أن تزوجه من فتاة تناسبه، لكنه رفض الزواج، بل وقال بأنه لن يتزوج يوماً، تغير هذا كله عندما تعرف عليها، وهكذا نكث بوعده،  الآن في هذه اللحظات ها هي تخسر هذا كله، ولا تعرف لماذا تتذكر شاطئ السيب بكل هذا الخوف الذي تلبسها، والرسائل التي تجاهتلها مراراً، وبأنها تحبُ فعلاً لكن ليس هذا الرجل الذي تمشي إليه، رجلٌ غاضب كما تظن، يعرفُ الآن، أنها تتزوج رجلاً مهماً إلى هذا الحد.

قصة : ليست لغزاً

2 فكرتين بشأن “قصة : ليست لغزاً

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share