لا أحد يرثي لقطط المدينة.

بعد أن تمكنتُ من إنهاء قراءة الجزء الثالث من سباعية بروست “بحثاً عن الزمن المفقود” التي أبكتني في مواضع عديدة، كان من بينها شعوري بالخجل أمام تلك السيدة التي كانت تعرف تماماً تفوقها السيكولوجي عندما تتحدث عن ازدرائها للآخرين، حدث هذا مرات عديدة في الأجزاء الثلاثة التي قرأتها، كان من بينها ذلك الفصل الذي سخر فيه من بروست على الرغم من أن بروست لا يمكن أن يكون ساخراً بالمناسبة، من الذين يأخذون القراءة بجدية، ويفضلون الأعمال المتقنة فنياً، بينما يرى أن بعض الأعمال المتواضعة كانت كفيلة بأن تمنحه أحلاماً رائعة، يبني عليها شيئاً ما، كنتُ ذلك الشخص الجاد الذي يتحدث عنه، رأيتُ كم أنني سخيفة وكم آخذ الأمور بجدية مفرطة كالعادة. ربما لأن الأمور التي يمكن أن أتعامل معها محدودة، لا أدري، عموماً بعد نهاية الجملة الأخيرة من الكتاب، شعرت بجفاف في الحلق، تعبتُ كثيراً خصوصاً وأن آخر ٣٠٠ صفحة من الكتاب كانت دقيقة للغاية، وكانت الأماكن فيها لم تتجاوز الثلاثة، أمسيتين وعودة للبيت، كان ذلك كثيراً بلا شك، عزمتُ أنني سأقرأ كتاباً بجمل قصيرة وواضحة، لقد تعبت في الشهرين الماضيين من جمل بروست الطويلة، ومن إعادة قراءة بعض الجمل، كنتُ أتململ أحياناً وأهرب للنوم، نعم أنا شخص قد يهرب من القراءة للنوم، وقد يقول أحدهم أنني أبالغ في جديتي على إنهاء الكتاب، فأي منافسة تلك التي دخلتها مع ذاتي، لكن الأمر لا يخلو من متعة، كما أن قراءة بروست شيء لا يعوض، يقول صديق لي الحياة متعبة أكثر من أن تحتمل بروست، لكنه بلا شك لا يعرف حياتي أنا، قررتُ أن أقرأ رواية قصيرة عنوانها الثعالب الشاحبة، لطالما أثارني العنوان، وبدت الصفحة الأولى منها لا تحتاج إلى كثير من التركيز، كما أن البطل حسب الغلاف يقود سيارته، هذه الحركة يمكن أن تكون بمثابة منوم لبعض الوقت، ثم هنالك الثورة والمقيمين غير الشرعيين، شعرتُ بأنني وأخيراً ربما أضع قدمي على أرض الواقع بعد رحلة مع التجريد العالي الذي عشته برفقة بروست، وهنا أيضاً ينبغي أن أستدرك أنني وكما هو واضح أهرب من الحلم للواقع عبر وسيط الحلم نفسه، الكتاب.

لكنها حياتي المحدودة مرة أخرى. في اللية الماضية طبعتُ قصة من مجموعة لا أحد يرثي القطط المدينة لمحمد الحاج، قبل عام تقريباً تحدثت مع الشاعر الجزائري صلاح باديس محادثة عابرة، عبر الواتس اب، الذي وعندما استضفت باديس في أحد برامجي الإذاعية لم يكن يستخدمه وحمله لأجل محادثتنا، كنا سنتحدث عن سيلين وروايته رحلة في أقاصي الليل التي قرأها بالفرنسية. تعرفتُ على باديس بالصدفة، كنتُ قرأت مجموعته الشعرية الأولى ضجر البواخر لأنني تعودت على شراء كل المجموعات الشعرية التي تصدرها المتوسط في بداياتها، قرأت المجموعة وأنا لا أعرف شيئاً عن كاتبها، ثم ذهلتُ لأنه يصغرني في العمر، أصابني هذا بنوع من الإحباط والغيرة، شاركتُ اقتباسات عديدة من المجموعة ثم قررت البحث عن كاتبها عبر خانة البحث في تويتر فوجدت حسابه، تابعته وأعاد المتابعة ولا أتذكر كيف أخبرته بأنني أعجبت بالعمل، لكنه شاركني صورة عن ميناء في مدينته.

هذا كل شيء، قرأت له لاحقاً نصوصاً منشورة في مدونات متفرقة، وأعجبتني كتابته، لا أعرف ما السياق لكنه بعث لي بمجموعة محمد الحاج وقال لي انها مجموعة قصصية جميلة للغاية. لم تعد لدي لياقة قراءة الكتب الإلكترونية، بحثت عنها كثيراً حتى في رحلتي لمصر في فبراير الماضي لكن الولد الذي كان في دار التنوير قال انها نافدة، واستغرب اسم العمل أول الأمر. عندما طبعت القصة الأولى منها قبل يومين، توقفت الطابعة لأن الأوراق نفدت، بقيت ثلاث صفحات من القصة لم تطبع، وتكاسلتُ عن قراءتها أو وضع الورق في الطابعة، فتحت موقع مدى مصر لأقرأ في قسم الأدب، ثم فاجئني عنوان عن المجموعة القصصية، تذكرت القصة المهملة التي مازالت في بطن الطابعة ناقصة ثلاثة أوراق، قمتُ لأضع أوراقاً وأواصل طباعة بقيتها.

دائما ما أطبع قصة واحدة ان لم أتمكن من الحصول على النسخة المطبوعة من الكتاب، لأختبر مدى انسجامي معها، التهمتُ القصة الأولى وشعرت بخفقان في القلب، كنتُ أنام على سريري بطريفة معكوسة، الكتب متناثرة حولي، شعري الذي أطلته مؤخراً يعطي وجهي منظراً فوضوياً بمثابة خرق في جمودي، لا أحب قراءة القصص بشكل متواصل، لكنني قمتُ لطباعة القصة الثانية، لا أعرف لم عدلتُ عن طباعة الكتاب كاملاً، ثم أعجبتني اللعبة، تلك الحماسة التي أشعلت جسدي في كل مرة للقيام عكس طبيعته وبذل شيء من الجهد لأقرأ في كل مرة القصة التالية، كنتُ واعية بهذا، قرأتُ القصص بشكل متواصل حتى وصلتُ للقصة التي عنونت بها هذه المجموعة، كان النوم قد هزمني في الساعة السادسة صباحاً، وخفتُ أن يفوتني شيء اذا ما قرأتها وأنا بهذه الحالة، طبعتُ القصة التالية، ووضعتها بجانبي على الفراش، ولم أعدل وضعية نومي، وذهبت في نومة عميقة. أراحتني، بعد أيام طويلة من التعب وعدم النوم.

استيقظتُ على نوف صديقتي التي تسكن معي هذه الأيام لأنها لم تتمكن من العودة لألمانيا حيث تدرس فلسفة العلوم بسبب كورونا. رأيتها تأخذ حبة من مضاد الاكتئاب الخاص بي. ظننتُ بأنني أحلم، خصوصاً وأن أحلامي وإن كانت معقدة إلا أنها تعتمد على مادة الواقع بتطرف مبالغ به، كما لو أنني أتبع مدرسة واقعية لا تحيد عن المحاكاة الفجة في التصوير. وكان هذا مزعجاً إذ أنني أفقد صداقات وحب وأتعرض لخيانات تبدو حقيقية تماماً، وتنهكني وتؤثر على حياتي بعيداً عن تلك المنامات. أحببتُ المجموعة القصصية للغاية، الشخصيات القاهرية، الخائفة، المترددة، المصنوعة من لحم ودم وعظام، التي يكتب عنها محمد الحاج بحياد تام، ولا يتدخلُ فيها كثيراً، كما لو أنها مستقلة، كما لو أنه معجون بحياة عدد كبير من الأشخاص، الشيء الذي سمح له أن يتلصص على حياتهم الشخصية والكتابة عنها، شيء لن أتمكن منه أبداً، أشبه كثيراً مورافيا الذي يأس من قدرته على نسج قصة وكتابتها لذلك قرر أن يكتب ما يخطر على باله حتى وإن لم يكن ثمة قصة تتقدم في تلك الكتابة نحو مغزى ما.

تأثرت كثيراً بقصة الحب التي انتهت لأن الثورة المصرية فشلت، شيء بمنتهى الدقة أن تربط بين هذين الأمرين، دون أن تشعر القارئ أنك بذلت جهداً كبيراً في كتابتها. لم أشعر أبداً بأن القصص مستقلة، كنتُ كما لو أنني أقرأ متتالية قصصية، أو رواية تجريبية تعتمد شكلاً جديداً من الكتابة، لم يكن محمد الحاج يبالغ في استعراض قدرته التعبيرية، كان حازماً في رقته وفي عذوبة ما يقول، لم يحول القصص لفرصة لدروس مستقاة من أي شيء، لقد بدا لي ذلك مذهلاً ومرضياً إلى درجة كبيرة. بعثتُ بمقطع من القصة لصديقي، كان ما جمع الزوج وزوجه هيرمان هسة، الذي لم يقرئه الزوج، وعندما تزوجا زارا قبره في ألمانيا. أحسستُ برغبة في أن أكتب كثيراً، فتحت المدونة وكتبتُ هذا وأفكر في مشاركته دون قرائته.

أريدُ أن أكون في قلب المدينة التي تشبه الجحيم وأن أهرب منها عبر رتابة أصطنعها لوحدي، لكنني أبدو مستسلمة أكثر لمدينتي الرتيبة مثلي، حياتي خالية إلا من هذا اللهاث الذي أجد له تنويعات في الكتب التي أقرأ، حفظتُ قبل يومين نهاية قصيدة المسافر للماغوط، لأن إحدى صديقاتي، كانت هي وحبيبها يقرأن بصوت عال في السيارة متشابكي الأيدي مقاطع من قصائدهم المفضلة لأمل دنقل و مظفر النواب، قصائد ثائرة وغاضبة وواضحة، يحفظانها غيباً، وأنا التي أقرأُ كثيراً لا أحفظ شيئاً سوى جمل متناثرة ومقطوعة من سياقها، مثلي أنا التي أبدو أيضاً باقتباس، مجهول المصدر، لا يبحث أحد عن كاتبه.

لا أحد يرثي لقطط المدينة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
50 Shares
Tweet
Pin
Share50