مالذي يحدث بعد الحب؟

عندما تذكرته، رغبت في أن تتلاشى حتى النهاية، ولكن هذه الفكرة هي الأخرى بدت إيحاءً بطبيعته هو، هذه الأفكار العامة، التي لا تبدو مفهومة، وتظهر كما لو أنها استعارات باهتة، شيء لا صلة له بما يحدث بالفعل، يشبه الأمر أن يتحدث كاتب عن رسالته للعالم، وماكانت ترغب به، ما تحسه هي، والذي تعرف أنه بعيد كل البعد عن طبيعته، هي رغبتها في أن تكافئ نفسها بالنأي عن هذه الأفكار الصاخبة، وأن تبذل قصارى جهدها في كتابة القصة التالية، باقتصاد كبير، ودون رغبة في إقحام كل العالم. تذكرت الطريقة التي يرتدي فيها ثيابه، يبدأ من بنطاله، ساحباً إياه للأعلى بتثاقل، كما لو أن جسده رطب على الدوام، ولا يمكن أن يعبره القماش بسهولة، تذكرت السرعة التي يتحدث بها عند نادل المقهى الذي كان يعمل في يومه الأول، وكيف طلب منه بتلقائية مريعة كوب القهوة الأمريكية المفلترة، وتذكرت كم إستغرق في التفكير  بفاتورة عشائهما معاً، قبل أن يدفع، فينتقل إليها ثقل الموقف. كم خسرت عندما طلبت منه ألا يحادثها بعد الآن؟ أشياءٌ كثيرة كما كانت تظن.

 بعد خمس سنوات، من غيابه عنها، وبعد خيالاتها عن شكل الحياة التي لابد وأنه يحياها الآن، المليئة بالحيوية، والتي تعبرها نساءٌ جميلات، وثقتها بقدرته على إقناعهن بسهولة، ربما لم يبذل معها هي الجهد نفسه، لم يكن يحتاج لذلك غالب الظن، شقته التي كانت خاوية، لابد وأنها الآن في دورها الخامس من عمارة والده، مقسمة، صالة متوسطة، فيها أرائكُ بلون كحلي، وأرضية من خشب التنوب، كان يستطيع منذ البدء استخدامه لأن المال لم يكن مشكلته على الإطلاق، وتلفزيون كبير، لا يطفؤه بنفسه، وهنالك غرفةٌ النوم، وغرفة متروكة لأطفاله الذين حظي بهم، ربما لديه طفلان الآن، وزوجته تتوهج من بعيد أصابعها الطويلة الناعمة، وأظافرها المقصوصة جيداً. لكنه لم يكن هذا كله، كان مازال في بيت والده، يتمدد على سرير لا يخص أحداً، في غرفة الأولاد العابرين، بتراخٍ بالغ كلما انتهى من عمله الطويل في مستشفى حكومي.

وكانت كلما حاولت التعبير عن نفسها في كل اللقاءات الجماهيرية التي قدمتها ككاتبة شهيرة، وصل إصدارها للعالمية، تبدي نوعاً من السعادة المسروقة، فلابد وأنه يتابع كل هذه التحولات في حياتها، ولابد أن يفهم أنها مازالت مخلصة له وحده، وأن غيابه عنها لم يعد من الماضي، لم  تكن تضحك للمصورين، وفي توقيعها للمعجبين ، كتبت بخط متردد: “انعدام وفرة الطرق، يعني كل شيء” لكنها سرعان ما أدركت زخرفتها الساذجة، لذلك بدلت توقيعها ب: “إلى طريقنا المشترك كل الامتنان” وأرادت أن تهديه كتابها القادم، لعله بذلك يعاود الاتصال بها.

تتذكر الآن، كيف أنه وفي لقائهما الأخير دفعها على سرير غرفة باهظة الثمن في أحد أرقى الفنادق، بينما يحضر حفل تخرجها، وكيف أنه أصر على أن يراها بصحبة عائلتها، متلصصاً على شكل من أشكال سعادتها الذي لم يعرفه طيلة علاقتهما التي استمرت لست سنوات، فعدلت عن ذلك الإهداء مراراً، وقررت أنها لن تكتب شيئاً له، لأن ذلك لا يعني شيئاً بالنسبة لها الآن.

وجدت حساباً له على تويتر لم يفعل منذ سنتين، لكنه بدأ نشاطاً منذ أيام، كان يضع إعجاباً لأخبار وزارة الصحة، وأخبار متفرقة عن الجديد في عالم الطب، وثمة إعجاب آخر لأغنية غير مشهورة لطلال مداح، وحكمة عن الأثر الكبير الذي تتركه سيرة الإنسان الحسنة بعد وفاته، ولا شيء آخر، قررت مراسلته، كتبت له:ماذا تقرأ هذه الأيام؟

ودون محاولة لإثارة إعجابها، قال بأنه ما عاد يقرأ شيئاً بسبب ضغط العمل وأنه امتلك عيادته الخاصة. تملكها اندفاع بدافع الإثارة للاستمرار في المحادثة، مرده إجابته غير المتأخرة، لم تقرأ روايتي إذن؟ أجابها، لا لم أفعل، أنوي ذلك. في هذه الأثناء كان ثمة ما يذكرها بطريقته في السخرية من البطون المنتفخة لكل رجل يمر أمامهما، وماذا عن سلسلة كفاحي لكناوسغارد هل سمعت عنها؟ لا لم أفعل هل تستحق العناء؟ وفي هذه الأثناء بدا بالنسبة لها، ليس أكثر من رجل تركته ذات يوم لأسباب تعرفها جيداً.

كيف يكون شعور انعدام التجربة؟ عندما يظهر ومن على مسافة معينة أنك كنت واهماً لفترة طويلة، هذا الشك الغامض، هو حصيلتها الكاملة مما حدث معها، إذا كانت قد أحبته فعلاً وذهب هذا الحب مع مرور الزمن، يمكنها أن تقول إنها اختبرت مشاعر الحب، لكن إن لم يكن ذلك حباً، كيف يمكن أن يفوتها مذاقه إذن؟ مرارةٌ استولت عليها، كانت تتحرك بصعوبة، ترتدي ثيابها وتتوقف بعد كل طبقة لبرهة من الزمن قبل أن تضع الشيلة على رأسها وتنتهي من هذه المسألة، تُحدث الناس وتشعر بأن جفنيها يضغطان على عينيها دون توقف، حتى أن أحد زملائها في العمل لم يتندر عليها، ناعتاً إياها بالمثقفة الكئيبة لأيام، لكن ماهي التجربة؟ ولماذا هذا الهوس بها، للحظات قصيرة كان لهذا السؤال مفعول كبير في تهدئتها، كانت تتجاوز الأمر وتصبح خفيفة، أخف من هذا الحب الذي خطفها ولم يعد يفعل.

أكثر ما يخيفها في الحب اليوم، أنه شيء يمكن أن تضحك عليه بعد سنوات، بنفس القدر الذي يمكن فيه لأحد الطرفين أن يمضي دون أن يحس بالذنب رغم كل الوعود التي قطعها للآخر، لم تكن تحب الإشارة إليه ب “الآنية” هذه التسميات المباشرة تصيبها بالنفور، والناس الذين يرغبون فعلاً بتسمية الأشياء يثيرون قلقها، لكن هذا صعب، أن تحس يوماً أنك لا تستطيع العيش دون شخص ما، ثم تضحك من هذه الفكرة، وتكركر من بطنك، وفي أحسن الأحوال قد تحس ببعض الإحراج والقشعريرة الباردة التي تسري في أوصالك. تتذكر الآن قصة “عم نتحدث حين نتحدث عن الحب” لريموند كارفر، وتحس بالانتصار لأنها تعرف جيداً مالذي تعنيه هذه القصة، مالذي كان يدور في غرفة طعام أسرة في أمريكا تستقبل ضيوفاً على العشاء، يتحدثون عما إذا كان الرجل الذي حاول قتلها لأنها سترحل عنه قد أحبها فعلاً. لا تتذكر علاقة حب فطرت قلبها، بقدر الحب في رواية زمن تنهيدة لآن فيليب، فالمرأة التي ترثي زوجها في الرواية، كانت تعرف إذا ما كان متعباً آخر اليوم من صوت إغلاق الباب الخارجي للبيت بعد أن يدخل سيارته، كان يتركه مفتوحاً عندما يكون منهكاً، كانت تستطيع الإحساس بوقع خطواته في الخارج قادماً إليها، تحسُ الآن أنها مغمورة مرة أخرى في إضفاء شعرية مبتذلة، لا وجود للحب، تطرد الفكرة وتحاول النوم، ربما غداً تستطيع أن تكتب روايةً تبشر بأن الدين الجدير بالولاء، هو الحياد.

التبشير فعل مزعج، في الرواية الجديدة، ستكتب عن امرأة تراقب حبيبها، وأنها ستتركه على الفور بعد سنوات من الشد والجذب، سمة كل العلاقات العاطفية، لأنه وفي لقاء مع أصدقائها، طلب منهم الصمت ريثما يجيب على مكالمة هاتفية تخص العمل، كانوا في عمق الصحراء، في ليلة شتوية، ليلة الخميس، يحاولون تجربة مشاعر مختلفة عن تلك التي تكون في أيام العمل، بحثاً عن مكافأة، ورغبة في أن لا يفوتوا إجازة نهاية الأسبوع في اللاشيء، كان يستطيع وببساطة شديدة أن يقوم من مكانه وأن يجيب على المكالمة. تتركه في تلك الليلة، ولا يعود ابداً مثلما كان زوج المرأة العسراء لبيتر هاندكه يفعل، ولا يصرخ ولا يقول شيئاً، قد يشتمها مع أصدقائها وعائلته، لكنها لا تعرف عن هذا، ولا تفكر فيه إلا في ضوء ذلك التصرف الأناني الصغير، تراه يؤشر لهم أن يصمتوا كلما تحدث أحدهم، بينما لديه كل تلك الصحراء ليجيب فيها على مكالمة تخص العمل.

تفكر لماذا يكره الروائي الرهيب الذي تقرأ له هذا الأيام، قصيدة النثر، ربما لأنها عاطفية، تبتعد كثيراً في كل اتجاه، مبرقشةٌ من الداخل، وتدّعي شيئاً ما، فضائحية كمحاولة لتعويض الوزن، تحسُ بغثيان شديد، وجفاف في الشفتين المقطوعتين على صمتٍ ينكر كل شيء، تتذكر ذلك الموظف في أحد أجهزة الأمن الذي سألها عن كتابها المفضل فأجابته بعد تردد “المرأة العسراء” وتضحك في سرها، كلما تخيلته يحملُ الكتاب بنية قراءته، ليعرف مع من تصفُ هذه المعارضة الصغيرة، تفكر في أشياء مختلفة، ترد كل فكرة شاعرية وغنائية، بشيء يشبه أنقاض عالم أكثر واقعية من كل ذلك الإنثيال المفزعُ والمباشر للعواطف البدائية، المتوحشة، التي تذكرها ربما بأنها طفلة، لأن ذلك ليس مريحاً، لديها استعداد كبير للموت كلما قرأت جملة “الأطفال فينا” ” الطفولة التي تختبئ في كل منا” شيء لزج، غض، مهتاج، أرعن يطفو فوق فوق فوق كل اللامبالاة التي تصطنعها.

 

مالذي يحدث بعد الحب؟

تعليق واحد على “مالذي يحدث بعد الحب؟

  1. ”أكثر ما يخيفها في الحب اليوم، أنه شيء يمكن أن تضحك عليه بعد سنوات، بنفس القدر الذي يمكن فيه لأحد الطرفين أن يمضي دون أن يحس بالذنب رغم كل الوعود التي قطعها للآخر“

    ”لكن هذا صعب، أن تحس يوماً أنك لا تستطيع العيش دون شخص ما، ثم تضحك من هذه الفكرة، وتكركر من بطنك، وفي أحسن الأحوال قد تحس ببعض الإحراج والقشعريرة الباردة التي تسري في أوصالك.“

    -عن ألف نص ونص- قشعريرة تصاحبني عند قراءة هذا الجزء الرقيق الذي يُلامس ويحكي الكثير الذي لا يُقال ..

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share