مسقط مرة أخرى.

لفترة طويلة تتجاوز العامين، لم أسلك سوى طريق الباطنة السريع وصولاً لمنزل عائلتي في قرية تقع في شمال الباطنة. وقبل أيام طلب مني إخوتي أن أستخدم الطريق العام لأن الوقت متأخر، ويشعرون في الطريق السريع بطول المسافة وصولاً إلى مسقط، وافقتُ على مضض، كانت الساعة الحادية عشر مساءً، وصلنا مسقط في حدود الساعة الواحدة، لا أعرف إلى هذا اليوم ما اسم أول دوارين بعد بركاء، لكنني أتذكرهما جيداً، من طفولتي المبكرة، كان أبي يعمل في الخيالة السلطانية في مكان قريب من الدوارين، في كل مرة رافقت فيها والدي لمستشفى الجامعة لمواعيد أمي هناك، كان أبي يشير لمكان عمله، ذلك الفردوس المفقود، الذي لطالما جلب لي أبي منه بسكويتاً وجبن مثلثات.

 تتغير الإضاءة فور دخول مسقط، فالأعمدة متقاربة، ويميل الضوء الصادر عنها للبياض، كما أن أعمدة الإنارة لا تقتصر على الحد الفاصل بين الشارعين الذاهب من مسقط، والعائد إليها، بل تحيط بكل أطراف الشارع، ثمة إضاءة تتوزع بصورة جذابة على مبنى أفترض أنه قصر السلطان على الشارع العام، لا أعرف شيئاً عن ذلك، هذا ما خمنته منذ تلك الطفولة البعيدة وحتى هذه اللحظة، لا أعرف من أسأل عنها، فعندما قطعت هذا الطريق غالباً ما كنت وحيدة أو برفقة إخوتي الصغار.

تأملتُ مسقط منذ لحظة دخولها، وددتُ لو كان بإمكاني أن أمسك بكل شيء فيها، أن ألمس أعمدة الإنارة، أن آكل كل هذه الأشجار، تمنيتُ لو أنها تُمنح لي لأحسها، لأنني مليئةٌ بها، بتفاصيلها الصغيرة، وبغياب الكثير من التفاصيل الأخرى عنها. ظننتُ باستمرار أنني أفكر على هذا النحو في الحب فقط، لكن هذا لم يكن حقيقياً كما يبدو، فمسقط مشتهاةٌ بالطريقة نفسها، وربما تمثل بالنسبة لي لحظات الهوس التي أعيشها مع اكتئابي، ولحظات جزعي أيضاً. هي كل شيء، حتى أنني لا أستطيع تفسير ذلك.

 قبل الوصول لمسقط، ثمة منطقة تدعى الفليج، هذا الاسم الذي أعرف أنه يطلق على قرية صغيرة بجانب قريتي البعيدة، إلا أنني كلما قرأتُ هذا الاسم، تذكرتُ زميلتي في الإذاعة والتي أخبرتني أن حفلات غنائية لفنانين مثقفين كانت تقام بمبادرة من مشروع ثقافي هنا قبل نحو عشر سنوات وأكثر، لكنها توقفت منذ ذلك الحين. تخيلتُ المسرح على الرغم من أنني لستُ متأكدة حتى فيما لو كانت تقصد هذه المنطقة نفسها، وسألت نفسي مراراً عن الغناء في مكان كهذا. تتوقف صورة الموسيقى في مخيلتي عندما ترتبط بمسقط، ببروتوكلات أوبرا مسقط السلطانية، وكل تلك المعايير التي ينبغي على الحضور الالتزام بها، بدايةً من الملابس ونهاية بالطريقة التي تصفقُ بها في الحفلة، جو مكتوم ومخنوق، لم يخرقه في حفلة محمد عبده التي أقيمت عام ٢٠١٧ سوى مشاهد سعودي، لم يتمكن أحد من ردعه، فحدث عبده مراراً، وطلب أغنياته المفضلة، وقال “الله” بصوت جهوري.

في الحب أريد أن أتأمل في الآخر ملياً، تعرف أصابعي شعره وملامحه جيداً، أوقعُ عليها باستمرار كما لو أنني أتوثق من حقيقة الآخر. لا أريد أن أتحدث، ولا يعجبني الكلام كثيراً، أريدُ أن أمتلك يد الآخر وجهه، إيماءاته، العينان المتعبتان، الشامات، الحواجب، الرموش، وأحس نحو مسقط بهذا الحب نفسه، ومع عودتي للطريق العام، شعرتُ أنني أقف على واجهة مسقط، أو احتمالاتها الكثيرة، التي فكرتُ بها عندما كنتُ صغيرة، عندما كنتُ أظنها بدايةً، أو مكاناً كبيراً مأهولاً بالأحلام، والحب والدفء. لعل تلك الليلة أعادتني صغيرة، على الرغم من أنني لا أحب طفولتي، إلا أننا عندما نكون صغاراً نعرفُ الأمل، الذي يموت بمجرد أن نكبر. لستُ متأكدة من أن مسقط ساهمت في وأد هذا الأمل، لكن بلا شك يشبه الأمر حلقة الهامستر، مسقط تدورني وأنا أدورها، نتلاعب ببعضنا، ومع أن مسقط ليست بشرية، ولا تحاول أن تكون كذلك، فقلقها غائب، وأزقتها مكشوفة، وبحرها له أسماءٌ وشوارع ونواص تطوقه من كل اتجاه، إلا أن ذلك بالضبط، ما يجعلها تتلاعب بي، أنها دائما ما كانت مستسلمة، سلبية، عنيدة في تمنعها.

عندما يأتي أحد أصدقائي من الخليج لزيارة مسقط، أشعرُ بأنني في موقف الانكشاف نفسه عندما ألتقي بهم، وأحاول أن أوافق توقعاتهم، أتعبُ كثيراً، وأنا أبدل بين الأدوار التي يرونني فيها، وتتعبُ مسقط أيضاً، فكلما زرنا مكاناً، قلتُ لهم، هذا ليس كل شيء وهذه ليست مسقط كلها، هنالك مسقط أخرى. مسقط تحتاج لمزيد من العمر، ولفصل بارد، حتى نتمكن من معرفتها جيداً، وعندما يسافرون، أقول لهم، لابد وأن تعودوا لزيارة مسقط مجدداً، مسقط التي لم تعرفوها بعد.

مسقط مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share