مقاس ٤٢

بماذا يفكرون وهم يشاهدونني أقلبُ قمصاناً في القسم الرجالي من بول أند بير في وقت التخفيضات، هل أشتري واحداً لحبيب بعيد لم يتمكن من مرافقتي؟ ماذا أفعل بينما تشتري الفتيات تنانير مزركشة وواسعة، أختارُ تي شيرت مكتوبٌ عليه “لأن الفن للجميع” على الرغم من أنني لا أعرف اللوحة المطبوعة عليه كاملاً، تعرفتُ على لوحة دوار الشمس لفان جوخ ومع ذلك أمضي لصندوق المحاسبة لا كمن حصل على صفقة جيدة، بل مثل شخص تقيد بواجب ما، وتمكن من شراء شيء في نهاية الأمر. أختار المقاس الأكبر “إكس لارج” قيل لي مرات عديدة، تحبين أن تبدين مثل العجائز، تضيعين وسط القماش، وظللتُ لفترة طويلة أفكر، ترى هل أفعل ذلك تجنباً، أم ترغباً في مظهر ما! لا يهم الآن، عندما أصل عند المحاسب أطلب منه للمرة الأولى منذ وصولي، فاتورة تاكس فري، لا لشيء سوى لأعرف مالذي فاتني كل تلك الأيام الماضية التي تبضعتُ فيها ورفضتُ الحصول على واحدة. هل كلمة “رفضت” في مكانها؟ كان الأمر كمن يدعوك على فنجان شاي، فتخجل وترد بأنك لا ترغب في ذلك! إن لم يصر عليك طبعاً. عند صندوق المحاسبة، في ذلك الممر اللولبي، وجدتُ عصابة للرأس، اشتريتها دون تردد!

تمنيتُ أن أكون ضئيلة، بجسد ناحل وباهت، ولطالما حلمتُ بأنني أقصر قليلاً، وكلما مشيتُ لا شيء يتغير من تحتي، حلمتُ كثيراً أن يكون مقاس قدمي لا يتجاوز ٣٦ مثل أمي على الأقل، لكنني ورثتُ قدماً ضخمة مقاس حذائها ٤٢، كانت سبباً آخر للشعور بالخجل، لا أستطيع الحصول على أحذية تناسب مقاسي وتعجبني في الوقت نفسه، ناهيك عن عرض القدم، اذ ان اصابعي عندما انتعل حذاءً مغلقاً لا تدخل فيه حتى وإن كان هو مقاسي المطلوب. أعرفُ أنني فتاة هشة، وكل ما نشدته هو أن يبدو مظهري الخارجي شبيهاً بضآلتي الداخلية!، بعالمي المنقبض في الداخل، بدلاً من جسد حاد، بملامح أنثوية أكثر حدة، وبجبين عريض، وأصابع مفوهة كما لو كانت سلاحاً. هل أقصُ اظافري قصيرة، أطليها بالأسود كما أحب؟ أم أن اصابعي ومظهرها يناسبها أظافر طويلة مروسة. داخلي يقول لي: الأظافر القصيرة، والخارج مني يقول: اظافر مروسة طبعاً.

ارتداء الكمامة ساعدني كثيراً على التخفي، لكنني لا أستطيع المشي مع نظارتي والكمامة، اذ أن ضباباً يشبه النعاس يتكون على عدساتها من زفيري المتواصل، أضطر لإنزالها، ولدي رغبة هائلة لأن أبكي من الحزن، لا أحتمل فكرتي، أنني هنا الآن، بهذا المظهر! أستدعي كل أفكاري عن مواجهة محددات المجتمع لأجسادنا كنساء، ثم أتذكرُ أن أمريكان ايجل اختاروا عارضة سمينة في حملتهم الاعلانية الأخيرة، وأقهقه داخلي من الألم!

وزني الذي يزيد أو وزني الذي ينقص، كلها ثقلي الذي يجيء ويذهب، ومع ذلك حتى وفي أكثر أوقات جسدي نحافة، لم يكن ثمة خفة، لم أنزل من باص الجامعة بحيوية، لم أركض إلى حبيب ما، بقيتُ مستلقية، أفضل الموت على أن أتحرك شبراً واحداً نحو أي اتجاه.

أبي يقول لي أن الحركة بركة، والنسويات يقلن لي ان هذا جسدي ماضيّ، تجربتي، وعليّ تعلم تقبله، زوجي كان يقول لي أنني لو كنتُ أقل وزناً سيولعُ بي أكثر، أختي تقول لي بدلي عباياتك كل فترة خسارة ما اقدر اعيرك، ابنة عمي العروس قالت لي أعيريني جسدك ليلة الزفاف فقط، وأنا أحب المقاسات الكبيرة، وأبحث في جوجل عن “اوفر سايز ستايل” ومع ذلك لا تكون الملابس اوفر سايز بشكل مناسب!

قيل لي أنني ورثتُ أنفي عن جدي لأمي، وكان إخوة أبي يتناقشون حول هذه المسألة كثيراً عندما كنتُ صغيرة، لأنني لا أشبههم مثل أختي التي تصغرني بعام واحد، ولوني ترابي، ليس قمحياً كما هي الموضة، حتى لا يقول لي أحد أنه اللون الدارج هذه الفترة، كما قيل لي في مناسبات عديدة، لوني أصفر، مخطوف، ووجهي طفولي، على جسد حاد التقاسيم، لديّ طفولة كاملة في داخلي، وجسد ثقيل وحيد ومتردد إلى الأبد.

مقاس ٤٢

2 فكرتين بشأن “مقاس ٤٢

  1. من اليوم سأرسل رابط تدويناتك لكل من يريد أن يعرف كيف تبدو الحياة في داخلي.
    كل ما تكتبينه أشعر به وبشدة وأحبه لأنه يشبهني بطريقة لا أجيد أنا نفسي وصفها.
    هذه الأفكار ذاتها مرت عليّ وكم من المريح أن أراها هنا

    وأحبك يا أمل
    محدثتك التي مقاسها٤١ وترتدي نظارة، ورثت أنفها من جانب أمها والتي أيضًا لم تركض إلى حبيب ما وبقيت مستلقية تفضل الموت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
3 Shares
Tweet
Pin
Share3