موجز تاريخ الأشياء.

أعرفُ أن النهار قد حل، عندما تتغير إضاءة اللاب توب تلقائياً.

أبحث في الإنترنت عن صوت المطارات. قبل شهر من الآن سافرت صديقتي عبر رحلة خاصة من مسقط إلى فرانكفورت، كانت الساعة ١٢ بعد منتصف الليل، وأضواء المطار مطفأة، عدا نور بوابة واحدة، كانت للمسافرين على الدرجة الخاصة. الشارع الذي نسلكه كان في السابق لسيارات الأجرة الخاصة بالمطار، أما الآن فهو مشرع لنا، لأن بقية الطرق، مغلقة، تركوا أمامها حاجزاً بلاستيكياً. أرعبنا مشهد الظلام. عندها فقط عرفنا أن العالم يتمثل للحرب الجديدة، كان ذلك محبطاً، وفي الوقت نفسه، كان فيه شيءٌ من المثالية، في أن يصبح الخراب مرئي جداً.

كنتُ أقرأ كتاب رولان بارت: بقلم رولان بارت، في الصفحة رقم ٤٧ نخل وجبال، آلمتني الصورة، لم يكن النص الشارح لها يتقدمها، بعدها بقليل، قرأتُ جملةً لبارت، كتبها قبل أن يقتبس أبياتاً شعرية لهنري هاينة، قال فيها: “من بين جميع الأشجار – الحروف، النخلة هي الأجمل.” أُغلقت مسقط قبل شهرين: ولم أغادرها قبل موعد الإغلاق لارتباطي بعمل يومي، ثمة نخيل غير معدودة في القرية حيث تسكن عائلتي.

لماذا يربطُ الناس الشاعرية، بالتغني؟

توفي زوج خالتي ليلة البارحة، كان هو أول من حملني بين ذراعيه عندما ولدت، كان من النادر جداً، أن يعيش أحد مع عائلته من سكان الريف في مسقط، هو وخالتي فعلا ذلك، وأنا ولدتُ في مسقط، لظروف ولادتي الصعبة التي تحتاج لعملية في مستشفى الجامعة. في كل مرة رآني فيها، يناغيني بصوته، كما لو أنني ما زلتُ الطفلة بين ذراعيه، ربما يكون الوحيد الذي عرف حقيقتي.

لا يشيعُ الناس عندما يموتون في هذا الوقت، تأخرتُ في الاتصال بخالتي، سألتني عندما اتصلتُ بها، إن كنتُ سأنجبُ طفلاً عما قريب.

أتصفحُ موقعاً لمواد التجميل، أحتارُ هل أطلب قلم الحمرة المسمى “كارميل”، يقعُ هذا المحل على مسافة ثلاثة شوارع مني، إن سلكتُ الطريق الخلفي مروراً بدوار شارع الكليات في بوشر ، وانعطفتُ إلى اليسار، ثم يمنياً، سأكون هناك خلال عشر دقائق، لكن المحل مغلق بكل تأكيد، إن طلبات التوصيل تكلف ٣ ريالات، وكارميل يكلفُ ١٤ ريالاً. هكذا تقاسُ المسافات.

قبل عشر سنوات، كنتُ في العام الجامعي الأول، حينها غيرتُ مذهبي، ولأنني كنتُ أدرس في الخارج، كان أبي يختلي بي في طريقنا للمطار، يجادلني في كل شيء، بطريقة تضطرني للدفاع عن نفسي طوال الوقت، كنتُ غاضبة من أعداء المذهب الجديد، وكان بجدية، يحدثني عن أننا لا نعرفُ شيئاً عن أي شيء، ثم تغيرت، غيرتُ ديني، واستمر أبي في قول الشيء نفسه، اليوم صباحاً حدثته عبر الهاتف، بعد ثلاثة أشهر من مكوثي في مسقط، قال لي، من الجيد أنك تذكرتني، قلتُ له هذا “الشبلُ من ذلك الأسد”، وضحك كثيراً كثيراً كثيراً.

أعاملُ الخضار في الثلاجة بأبوية، أراقبها تتعفن، وأنا أعدها كل يوم بالمستقبل الذي ستصبحُ فيه وجبةً كاملة، عدا النعناع، أتناول حزمة أوراق منه، وأضعها في كأس-  من المفترض أن يكون كأس نبيذ-   مع ماء غازي وليمون، ونتظاهرُ بأن كل شيء على ما يرام.

شاحبة تحت الدوش، أحسُ يدي جميلة عدا كفي، لوني برونزي، لكن هذا الجزء من جسدي لا يشاهده الآخرون، أريد أن أتعرف على الخاص جداً، وكل خصوصيتي لا يشعرُ أحد بالفضول تجاهها، وربما سيموتُ جسدي بعد قليل، لأن لديّ مشكلةً في التنفس، يمكنُ أن أصبتُ بالعدوى، أن أغادر العالم، وخصوصيتي مازالت خاصة للنهاية.

في سوبر ماركت سبينس عند الساعة ٩:٤٥ مساءً أدركُ أنهم يغلقون عند العاشرة، وكنتُ أظن أنهم يغلقون عند الحادية عشرة، أنزل بالسلم الكهربائي، وعندما أصلُ إلى الطابق الأرضي حيث يقعُ المحل، أدركُ أنني لا أحب أن أكون مستعجلة، تذكرني هذه الكلمة، بلين في قصة لأغوتا كريستوف، كانت ترثي له مغادرة فتاةٍ أحبها لأنها مستعجلة، لين كانت مستعجلة أيضاً، عندما أحبتْ وهي في الثانية عشرة من عمرها، أعود أدراجي، لن أكون مستعجلة الآن على الأقل.

تعطلت الكثير من الأنشطة من التجارية، توقفت مشاريع البناء، كان في مقابل البناية التي أسكن فيها، مشروع لبناء عمارة ضخمة، كما توضح الأساسات، تبعد بداية هذا المشروع عن غرفة نومي مسافة تقل عن ١٠ أمتار، بدأ مشروع البناء هذا بعد أن وقعتُ عقد الإيجار بثلاثة أسابيع، توقف البناء، ومع ذلك أشعر بكل الانزعاج المؤجل، الذي كان ينبغي أن يكون الآن، لينتهي في موعده المحدد.

أنامُ ثلاث مرات في اليوم. وحـــدي، ولن أنجب طفلاً، ليس الآن، ولا عما قريب.

موجز تاريخ الأشياء.

2 فكرتين بشأن “موجز تاريخ الأشياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
39 Shares
Tweet
Pin
Share39