وردة.

ثلاثة أيام متواصلة بلياليها أترك المكيف يعمل طوال الوقت، ليحرس باقة الورد، التي قال لي جورج الفلبيني، أنها طلب العروس الأول من محلهم. وعندما أخرج للصالة الباردة أول ما أفعله، هو أن ألتفتَ إليها لأتأكد من أنها مازالت حية وطازجة كما لو أنها تفتحت للتو. وعندما أدير عنقي صوبها، لا أعرف لماذا أتوقع الأسوأ دوماً، اكتشفت فجأة، أن اليأس لم يتمكن مني بعد، وهنالك فسحةٌ للانقلاب رأساً على عقب، والارتطام ببدائية كما لو أنني محضُ هاويةٍ ليس إلا.

مزهريةٌ من طوفان، ستسقطُ كل شيء، تمسكُ الآن بالشقة، وأنا جالسةٌ على الأريكة لأكتب هذا، وإلا لكنتُ مترددةً الآن، ذلك التردد السام، الذي سيجعلني أتوقف عن التعبير.

مختبر اللون الزهري، ورودٌ تموت داخل اللون، مظهرها الحسي، يوحي بأنها امرأةٌ لا تتحدث أبداً، بل تبكي، ثغرها رقيق، وموحٍ.

أريد أن أكتب شيئاً ذا وقع أهم، كأن أقول أن الورود في يوم صيفي كهذا، مثلت لي بهجةً صِرفة. أو أن أكتب نثراً بسيطاً عن يوم عادي، لا يحدث فيه شيء ذو بال، ولا حتى هذه الأشياء المتشابكة، التي أحدثك عنها الآن. ومع ذلك من يعرف مالذي يمكن أن يحدث لو أنني فعلاً كتبتُ شيئاً كهذا، بذلك الصفاء الذي تعكسه مرآةٌ نظيفة ومصقولة. أريد أن أخبرك أنني تناولتُ الخضار على الغداء، وأنني تأخرتُ عن العمل لأنني كنتُ ألعب لعبة تافهة على هاتفي، وأنني عندما كنت أقود سيارتي عائدة إلى الشقة، فكرت أنني حزينة جداً لكن لا بأس بذلك، ما دامت كل المقاهي مفتوحة، ويمكنني أن أقضي ليلتي فيها، بعد أن أُغلقتْ لخمسة شهور متواصلة، هل يمكن أن يصدق أحد ذلك. سأقول مثلاً أنني اليوم في برنامجي الإذاعي تحدثت عن نوعين من الناس، أولهم مبالغ، والثاني مكتف، دعنا نبدأ من الثاني، هؤلاء يرضون بالحد الأدنى من كل شيء، أما النوع الأول فلديهم تلك الصورة المثالية التي تطبع نفسها بوحشية في أذهانهم، ليتبعوها مثل الكلاب باحثة عن عظمة كما في أفلام الكرتون، أو شريحة لحم كما يظهر ذلك في أفلام الكبار، وأريدُ أن أقول لك أنني كليهما. أليس هذا حزيناً؟

أريدُ أن أقرأ أسماء البتلات، نظرةُ عيني الغريزية، التي تتوقع، مشهداً يابساً لورد لابد أن يموت، أحب أن أصدق أن تسميتها، سيضعها في قبضة يدي إلى الأبد، حتى وإن لم أكن أنا ابدية، شيءٌ يلقي بتلك الحسية القاهرة واللذيذة لتلك الوردة، تنفقُ نفسها في الاسم الذي سأطلقه عليها، وأن تنتظر ريثما يمكنني أن أقول شيئاً. لابد أن أقول شيئاً ذات مرة.  

وردة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share