يوميات : الوصول إلى اليابان

على الرغم من أنني أقضي اليوم كله دون حاجة للخروج، لأنني اعتذرت عن عملي اليوم – لطارئ لا أريد ذكره الآن- وهذا ما أفضله، إلا أنني كنتُ أشعرُ بشيء يشبه أن الاحتباس داخل كوة صغيرة، كما لو أنني في شرنقة، قاومتُ الشعور بذلك لبعض الوقت، واصلتُ قراءة بروست في بحثه عن الزمن المفقود، أكاد أنهي الجزء الثالث من الرواية، ثم شاهدتُ فيلم مانهاتن لوودي آلن للمرة الثانية، ما زلتُ أنتظر أن يتم تفعيل اشتراكي في مجلة The New Yorker، متململة بدأت بتصفح Literary Hub فتحتُ نافذة : أفضل ما في هذا العقد، بطبيعة الحال اخترتُ أن أقرأ أفضل الروايات التي قدمها الموقع، تعرفتُ على بعضها، قرأتُ بعضاً منها لكن ذلك لم يشعرني بأي تحسن متوقع، الوقوع على مثل هذا المشترك في أحيان أخرى، يدفعني للغبطة، أو الإحساس بأنني موجودة بالفعل، لكنني أعجز عن بلوغ ذلك في هذه المرحلة.

استأتُ لذلك بطبيعة الحال، بعد أن أنهيتُ قراءة الموضوع، انتقلتُ لأفضل المجموعات القصصية في هذا العقد، وقع نظري على الترتيب الثاني في هذه المجموعة وكانت مجموعة “حياتي العزيزة” لأليس مونور، كدتُ أبتسم لذلك، لأنني وبدون مبرر كثيراً ما ظننتُ أنها مارلين مونور، يشبه هذا تهوري الطفولي بطريقة ما، أتذكر جيداً عندما حاولتُ قراءة أي شيء لها ولم أستطع فعل ذلك مرات عديدة، حتى أنني ذات مرة استضفتُ في أحد برامجي الإذاعية كاتبة تحبها للغاية، وكان ينبغي علي كما جرت العادة أن أقرأ كتبها، أو كتاباً واحداً على الأقل، لكنني لم أستطع في حالة مونورو – ابتسامة مرة أخرى- قرأت يومها لقاءات لها أو ما كتب عنها واستعضت بذلك عن قراءتها، وكان التبطل الذي أصابني اليوم امتد نحو طلب المزيد مما لا أستطيع مقاومته، فهأنذا أُحملُ “حياتي العزيزة” وأطبعُ القصة الأولى، وعنوانها “من أجل الوصول إلى اليابان”.

لم أستغرب أنني لم أقرأ مونرو ، لا أريد التفكير في أن هذه الكندية ستصل لليابان، كيف أفرُ من مسألة العبء، أو محبة الأدب الذي يدور في أميال قصيرة، تبدأ القصة في محطة القطار، لكن ثمة جملة جذبت كل انتباهي وأوشكت على إيقاظي في الفقرة الأولى من القصة: “معتقدةً أنه ليس من الطبيعي بالنسبة إلى أناس كان يرى بعضهم بعضاً يومياً وباستمرار أن يكون عليهم تقديم تفسيرات لأي نوع لما يجول بداخلهم”.

عندما ذهبتُ للحمام قبل قراءة القصة كنتُ أفكر في شيء قرأته قبل يومين، عن الفرق بين ذكاء الناس اليوم وذكائهم عام ١٩٠٠ وهل نحن أكثر ذكاءً؟ ثم لا أعرف ما الرابط لكنني تذكرت إعجابي برواية “بحثاً عن الزمن المفقود” لبروست، وصديقي الذي قال لي أن حلم اليقظة الذي وصفت به موضوع الرواية، هو ما شغل باشلار في مشروع كتابته، أجبته أنني أعرف ذلك جيداً، بل أكاد أكون قد سئمتُ من ترديد هذه الفكرة كل حين، لا أعرف لماذا خطر على بالي في ذلك الحين، الاستفهام عن ما كتب قبل الآخر باشلار أم بروست؟ وشعرتُ بالغباء لسذاجة هذا السؤال. وعندما أحاولُ أن أفسر الأمر الآن، لا أشك في أن ما جاءت به تلك المقالة حول الذكاء أشار لمسألة التفكير بالمجرد والملموس، لقد بدا بروست ملموساً، وباشلار تجريدياً بطبيعة الحال، كان هذا كله في الحمام، وأنا ساهمة في نظافة المغسلة أمامي، وبياضها الناصع. عودةً لمونورو – لم أبتسم هنا – يبدو بأن القصة لا علاقة لها باليابان، لكنها تقع في ثلاثين صفحة، ويمكن أن تظهر في أي لحظة، اكتشفتُ مع تقدم القراءة أن جريتا شاعرة، وبيتر زوجها، لم يكن يقدم آرائه حول أي شيء كان، يشاهد الفيلم ويقرأ الكتاب ثم يكتفي بالإشارة إلى أنه كان “جيداً” ووصفته مونورو بقولها أن آرائه ” تشبه بشرته” لكن جريتا كان تشعر بالأسى لذلك لولا عزاء أن موقفه هذا “بمنزلة نعمة بالنسبة إليها، لأنها كانت شاعرة وكانت قصائدها تحوى أشياء ليست مبهجة على الإطلاق أو ليس من السهل إيضاحها.” لقد عرفتُ أنني سأحب القصة، وهذا ما حدث، صحيح أنني لم أحببها بقدر القصتين اللتين قرأتهما في اليومين السابقين وهما وداعاً أخي لجون تشيفر وهيئة محلفين من نظيراتها لسوزان كلاسبيل، لكنني في آخر الأمر تحررتُ من ذلك الضغط الهائل الذي كنتُ أحسُ به، عندما هبطت جاريتا من المطار وعلى الرغم من أن القصة تبدأ هناك تحديداً إلا أنني لم أبدو منزعجة من البدايات على الرغم من الأعباء التي تلقيها عادةً، خصوصاً للذين ينتبهون أن ثمة طموحٌ يدسُ نفسه في أجسادهم، ولم يكونوا ليتخيلوا وجوده قط.

كنتُ أستلقي في الصالة، على الكنبة التي اخترتها لأنني قررتُ أن أكون عملية فيما يتعلق بها، ليس الشكل كل شيء، أريدها قابلة للطي فإذا ما زارني أحد تمكن من النوم عليها، لكنني عوضاً عن ذلك اخترت واحدة طويلة، تتسع لطولي، وملمسها ناعم، عندما أضع رأسي عليها أشعر بالحنو، وهي من ذلك النوع الذي يمكن أن تمدده من الأسفل، ولتسهيل الفكرة فهو يشبه كرسي تشاندلر و جوي بجانبي نبتة خضراء وضعتها على الطاولة، عندما رأت صديقتي أنني اشتريتها قالت لي لماذا جلبتِ مخلوقاً لتشاهديه يموت، وقد روعني ذلك في أول الأمر، ثم قلتُ لها ببساطة، إن كانت ستموت فستفعل في مدة أطول من المدة التي تموت فيها الزهور، هذا وأن ثمنها أقل بكثير من سعر الباقة التي اعتدت شرائها. فلا بأس، كان هذا بالضبط عندما وصلتُ بدوري لليابان.

يوميات : الوصول إلى اليابان

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share