يوميات: كابوس

عندما كنتُ صغيرة تردد عليّ كابوس واحد لعدة أسابيع. ولم أستطع أن أخبر أحداً عن ذلك. لم يكن لدي “كومبيوتر” لأسأل جوجل عن تفسيره، وعمتي كانت تحتفظ بكتاب تفسير الأحلام لابن سيرين في غرفتها بجانب المصحف! لم أجرؤ على فتحه يوماً، لدي في رأسي الكثير من الشكوك، واذا قال لي أحد أن أفعى في الحلم تعني طريقاً لا آخر له، سأنظر لكل الطرق كأفاع تسعى، أتصورُ عينيها الدقيقتين، ولسانها، ودمي يتدفق في معدتها.

عندما دخلت الجامعة، قرأت تفسير الأحلام لفرويد، كنتُ قد تجاوزت مسلمات كثيرة، آمنتُ بها في طفولتي، صار الحلم مثل قطعة فسيفساء أجمعها لأعرف مالذي يقف ورائه. يقال أن كارل يونغ جاء بأطروحة تختلف حول تفسير الأحلام، أتجاهل ذلك، الفكرة أن للحلم امتداداً لخوف باطني، أو حدث شخصي. أبسطُ الفكرة، أختزلها، أضحك الآن اذ أتذكرُ كناوسغارد في كفاحي عندما قال أنه ملك المعرفة التقريبية، أنا الملكة إذن.

بعد تخرجي من الجامعة، كنتُ أريد شراء سيارة، لا تستطيع العيش في عُمان إن لم تملك واحدة، كل يوم كنتُ أحلم أنني أفقد السيطرة على سيارتي المنتظرة، أتخيل وقع الاصطدام، والوسادة الهوائية تُحرقُ وجهي! خفتُ كثيراً أصبحتُ أتجنب أن آخذ أحداً معي عندما صار لدي سيارة! وكلما كان إخوتي برفقتي، أمسكتُ بالمقود كما لو أنني في اختبار مصيري!

واحدة من الأعراض التي يسببها لي تناول مضاد الاكتئاب “بروزاك” وهي حدة واقعية في أحلامي، بينما يحلم الناس في عادة، أحلاماً سريالية، أو فانتازية، مشاهد متداخلة لا يمكن أن تتحقق في الواقع، قفز على الزمان والمكان، شقلبات، أموات يعودون من الموت، أحياء ميتون، أحلم أنا بمشهد كما لو أنه واحد من مشاهد حياتي اليومية! عادي، بسيط، منطقي، متوقع. حتى بتُ وفي كثير من الأحيان أحتاج لأن أكتب ما أحلم به في ملاحظات الهاتف، لكيلا أظنه واقعياً. قبل أيام تذكرتُ أن نوف فقدت بطاقة هاتفها وهي في ألمانيا، وعليّ أن أذهب لصالة عمانتل لأعيد شراء رقمها، وإرساله عبر البريد العاجل، ترددتُ قليلاً وأنا أفكر في حقيقة هذا الموقف، فتحتُ محادثتي مع نوف لأتأكد من أنها أرسلت لي تخبرني عن ذلك فعلاً، وجدتُ المحادثة بالفعل، لم يكن حلماً إذن.

قبل سنة ونصف تركتُ الدواء لهذا السبب وحده، كنتُ أستيقظ كل يوم، كما لو أنني لا أحظى بدقيقة راحة واحدة من عبء الواقع. كنتُ أشعر في أحلامي أنني أسجنُ في مصعد مظلم لساعات، بمساحة مربعة، صغير وضيق، بهاتف طوارئ معطل، أختنق ببطء، ببطء، ببطء. لكن حالتي ساءت كثيراً، لم أستطع الاستمرار بدون الدواء، هذه ليست مبالغة، وهنا الكثير من التفاصيل التي لا يسعني كتابتها الآن، لكنها انتهت بمحاولة للانتحار. حينها كان ذلك بمثابة ناقوس للخطر، وعدتُ للدواء مستعدة للتضحية بوقت النوم، في سبيل القدرة على أكون طبيعية في الحد الأدنى مما تتطلبه الحياة بالنسبة للآخرين. بالتأكيد شاركتُ الطبيب ما يحدث معي، لكن أكثر من واحد أجابني بأنه يسمع عن هذا للمرة الأولى، وأنع غير حقيقي وفي غالب الأمر أنني أعاني من مشاكل في النوم لا علاقة لها بالدواء. واحد منهم بادر وغير موعد الدواء، لكن تغييراً يذكر لم يحدث أبداً. ما زلت عندما أنام في حجرة المصعد الضيقة، أختنق ببطء شديد، ببطء مميت، ببطء متوحش.

“هل يمكن أن تحاسبيني على حلم؟” قالها لي مرات عديدة، وكنتُ أسكت. ليس لدي شعور الاستحقاق الذي يفرض على الآخر، أن يزيل كل المخاوف المترسبة في داخلي، لكي لا تظهر لي وأنا نائمة وهي متجسدة تماماً. أحلام بالخيانة، أستيقظ بعدها لأرى أنني نرجسية، هل تفكرين أنك محور الكون؟ هل كل هذا لأنك ترغبين في امتلاكه! أي هوس هذا؟ لماذا لا تصدقين أحداً؟ لالا لا لا لا، ينبغي أن أكون وحيدة لا أستطيع احتمال الواقع ولا النوم، لا يمكنني احتمال التفكير في الأمر! فماذا لو حدث ولم يكن حلماً؟  هكذا حتى صارت أحلامي أثناء النوم جزءاً أعتمد عليه في حياتي الواقعية، اعتبروا الأمر مثل رؤيا ، كان ذلك بالنسبة لي. سأكتفي بهذا الآن. عليّ أن أنهض من فراشي، لدي موعد بعد قليل سأعود لأكتب لكم عن هذا وعما حلمته ليلة أمس.

يوميات: كابوس

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share