يوميات متفرقة.

غادر الموظفون العمل، بقيتُ وحدي، أنظرُ للطاولة الخشبية الخفيضة في منتصف المكتب بجدية أكثر من اللازم كما سأدرك لاحقاً، كل تلك التشققات الصفراء على سطحها المصقول، أو الحفر الصغيرة، والتي لا يسهل تحديد أسبابها، هل هي حوادث نقلها من مكان لآخر، أم أن شيئاً ثقيلاً وقع عليها، كم قدماً اصطدمت بحوافها دون قصد. متعبةٌ للغاية وهذه طريقتي في الشكوى، كيف أستطيع التعبير عن قصتي، وكل ما أكتبه خالٍ من القصص بطريقة ما، تمرُ الآن أمامي في تايم لاين تويتر، تغريدة تصحح فيها إحدى النسويات، مفردة “مريض” التي تصفُ المتحرش في حادثة الدمام، ليس مريضاً، هو “منسجم مع المنظومة التي تمنحه حق الانتهاك” الصوابية السياسية مرة أخرى، رأسي يكاد ينفجر، حتى أنني لا أستطيع أن أقول أن هذا اليوم أسود، إذ أشعر بمسؤولية ما كلما أردتُ تحميل هذا اللون كل هذه الأوقات السيئة. لكن هذا جزء من مشكلتي، العجز عن الفهم، الشعور العميق بأنني لا أعرف شيئاً عن هذا كله، وبأنني ملقاة في منتصف الطريق، وعليّ أن أتصرف بحس سليم، وبلباقة عالية، امتناناً لكل الأشياء التي جنبتني خوازيق العالم الملموسة. أليس كذلك؟

أرغب في أن يمسح أحد على شعري، وأن يُدخل أصابعه بين خصله الكثيفة.

تستمر الحياة في مجراها التمييزي، وتعطي الكثيرين القدرة على كشف التوتر، والتعبير عنه، أما أنا فلستُ أبعد من فروغ فرخزاد التي اتهمت بنزعتها الأيروتيكية، ترددُ في مطلع إحدى قصائدها: “امرأة وحيدة/ على عتبة الفصل البارد/ في بدء إدراك الوجود الملوث بالأرض/ ويأس السماء البسيط الحزين.” عندما قرأتُ فروغ في يومياتها ورسائلها، لم يبد لي أن عالمها كبير، كان محدوداً، هل أذهبُ بدوري إذن أبعد من هذه الزاوية التي أنظرُ فيها لتلك الطاولة، التي توضع في المنتصف لا لحاجة لها، بل لأن الفراغ الذي سيتركه غيابها، سيبدو غريباً، قرأتُ قبل نحو ثلاث سنوات أن الجذر اللاتيني لكلمة الاغتراب يعني استلاب شيء ما وتحويله الى شخص آخر. هكذا إذن في نوع من الرغبة العارمة في تجسيد المحسوس سأتخلص من هذه الطاولة، وستكون هنا البداية الأولى لكنبات المكاتب التي لا تحيط بطاولة، ، و على ذكر الثورة، أمس تصفحتُ كتاب الإمامة في عمان، للمؤرخ البريطاني جون ولكنسون، في الطبعة الأخيرة التي صدرت عن الكتاب، يصعب قراءة الحروف الصغيرة، والورق ناصع البياض، ويعد هذا المؤلَف كبيراً، فكيف أستطيع إذن قراءته، يلزمني من الجدية والدوافع ما لا أستطيع عليه، لكنني أمتلك سؤالاً بشأن كل أرطال الهدوء في هذه البلاد، والتي تقفُ على ثورات، وتقسيمات لعمان المركز والهامش، لأسلحة وزعت في الجبال بُعيد بيوت العمانيين القديمة، كيف يمكن أن يكون أبناء جلدتي ثواراً؟ لستُ متأكدة من أن هذا يتجاوز قدرتي على التخييل، لكنه كذلك في واقع الأمر.

……..

أتخيل أنني أقوم من على فراشي، أغلي كوب الشاي، تحرك أصابعي ملعقة صغيرة، تدور قطعة السكر، بينما تذوب على مهلها. أتخيل أشياءً بسيطة وعادية كهذه، أعجز عن القيام بها، ويعذبني ذل. أشياء كثيرة سأدوس عليها لكي أصل إلى هناك، بقايا طعام ليلتين من مطعم شيليز، حمالات صدر سوداء متناثرة في المكان، بنطلون على الهيئة الأولى بعد خلعه مباشرة، مصفوفة من الكتب، حقيبة للمكياج، الأكياس الأخيرة التي ابتعت فيها الكتب الموجودة في المصفوفة، أسلاك متشابكة، لأنني رغبت قبل النوم في أن أقرب شاحن الهاتف إلى سريري، مصباح قراءة ملقى بطريقة غريبة، ربما تعثرت به في ظلام ليلة مضت، وتحفة لسيدة تحدق بمن ينخفض إلى مستوى عينيها بينما تمسك كتاباً وتسهو عنه، نسخ رديئة من لوحة المقهى لفان جوخ، والقبلة لغوستاف كليمت، ألم يتم ابتذالهما بما يكفي؟ جثث، أشياء على حد تعبير توم كريستنسن ميتة معّبرة، يمكن إذا تركت هناك لفترة أطول دون أن يمسها أحد، أن تتحول إلى دين.

….

عندما كنتُ طالبة في الجامعة، وفي ملف بلاستيكي شفاف، جمعتُ كل المنشورات التي كانت توزعها قائمة الائتلاف الإسلامي في الجامعة، كنا في صيف ٢٠١١، عندما بدأت بفعل ذلك، لدي منشورات عن طاعة ولي الأمر، وأخرى عن عائشة وصيام يوم عاشوراء، لدي منشور صغير أزرق بإخراج رديء، عن الحجاب، بدا لي ذلك جيداً للمستقبل، عندما سأفصح عن مجموعتي الذهبية التي تمثل عصراً بائداً، لم يخامرني الشك لحظة واحدة في ذلك. وعرفتُ بطريقة ما أنني سأعيش حتى ذلك اليوم.  عندما كنتُ صغيرة، كنتُ مهتمة بجمع الصحف، ومقالات معينة أثرت فيّ، لا أستطيع أن أتذكر يوماً واحداً مرّ دون قراءة جريدة. أتذكر حتى المفعول السحري لكلمة “الإنكليزية” عندما قرأتها بالكاف بدلاً من “الإنجليزية” وكيف بدا لي أنني أعرف أكثر من جميع من أعرفهم. قبل سنتين من كتابة هذه القصة، سأحتفظ بمجموعة من قمصان لم يعد أصدقائي يستخدمونها، ريم مثلاً كانت ترتدي قميصاً زهرياً، بأزرار صغيرة، أكثر من أي قطعة أخرى لديها، غضبتُ كثيراً عندما علمت عن نيتها التخلص منه. كانت بداية معرفتي بريم، مرتبطة بذلك الإزهار الشاحب، فطلبته منها، وعندما تعرفتُ عليك أنت الآخر، كنت ترتدي سلسلة بسيف الإمام علي، ولم تعد لارتدائها بعد ذلك، كثير من التشويش يصيبني عند التفكير باقتنائي لمجموعات لن تشكل أكثر من تعاويذ جديدة في دين كريستسن ذاك. لكن لو قدر لي أن أختار ما سأجمعه الآن، سأقول الرائحة، كان ثمة في طفولتي سدرة تصدرُ زهور بذرتها رائحة نفاثة تمتد لأمتار، وفي كل صباح تختلط برطوبة التربة، ويخيل لي أني أبحث دائماً عن رائحة بهذه القوة، ولا أجد على الإطلاق، ليس في كل عطور الماركات القوية التي جربتها، تعجبني رائحة سيارة ريم القديمة، يصدر قماش الكرسي الجانبي، رائحة قماش جديد باستمرار، يختلط معي بأغاني أم كلثوم من سي دي مختارات لها، ريم لا تستمع لغير أم كلثوم، كذلك أميز رائحة التبغ مخلوطاً بالقهوة السوداء، ليس أي نوع من التبغ، إنها السجائر المحروقة في البيت، في ليلة متبطلة نقضيها لمشاهدة فيلم غير مهم، تزجية للوقت، من ثم يتحول لتصبح تلك الرائحة شيئاً أقرب، وأحسُ بها تحرق وجهي. لم أعد أميز رائحة بيت عائلتي، كما لو أنني شفيتُ منها. هنا على الأرض معطر من زارا هوم برائحة الياسمين، عندما أنظر إليه الآن، أحسُ نوعاً من الكآبة، تلك التي تصدرُ عن معرفة شيء ما والتأكد منه، رائحة حادة، معروفة، لا غموض فيها، وتقول لك طوال الوقت، أنا ياسمين مؤكد، وأتنازل عن كل شيء لا أريد هذه الظهيرة، وإذا جعتُ سأطلب من تشيليز، وجبة كاسديا، رقائق من الخبز تلف قطع دجاج مشوي.

….

فتاة في منتصف العشرينيات تشاركُ صورتها في تويتر، ترتدي فستاناً بظهر مكشوف، وبقدر ما يكشف فستانها عن كعبها الصغير، تظل معلقاً، شيء يشبه أن تصبح مغموراً، أن تدخل في حوض السباحة، وأن تصدمك برودة الماء، كيف تعيش الفتيات الجميلات؟ خصوصاً اللاتي لا يفكرن في هذا الأمر، لا يعرفن مقدار جمالهن، فلا يتعاملن معه كما لو أنه قضية كبيرة، ذلك الاستسلام للواقع، ليس اطمئنانا، لأن شيئاً لم يكن يغم، شيئاً لم يكن سؤالاً. كاتب يشارك صورةً لدانيال خارمس، وتظاهره بالجنون، صورة لخارماس من الاتحاد السوفيتي بعد اعتقاله الأخير، يحملق فوق بينما عينيه في مستوى عينيك، كيف؟ هكذا تصبح الصورة مرعبةً، قرأتُ لخارماس كتاباً صغيراً لم أعد أتذكر اسمه، شيءٌ من الحماس الطفولي، يحفز جسدي، لقدُ خلقت لشيء كهذا، أن أبحث عن خاراماس وغيره، يمكن أن لا أكون جميلة وساهية، أنا مسرنمة، مسرنمة كبيرة.

متعبة، متعبة جداً.

يوميات متفرقة.

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share