يوميات: محاطة بالمقاعد الثلاثة.

عندما أجلس في مقهى غلوريا جينز، أحيط نفسي بثلاثة مقاعد، بجانب الجدار، عندما لا أجد مقعداً ثالثاً، أغادر ببساطة، أعود إلى البيت ولا أستطيع مواصلة قراءة “فضل الله عثمان” لإبراهيم أصلان، سألتني مرة صديقتي عن هوسي بإحاطة نفسي بهذه المقاعد رغم عدم حاجتي الفعلية لها، لا أستطيع أن أقول لها السبب، وإلا لخسرتُ إيماني بصداقتنا، لديّ ذلك النوع من النرجسية في الصداقة، إذ أن على الآخرين دوماً أن يتوقعوا ما أحبه وما أكرهه. لا أريد طاولة بغير ثلاث مقاعد بجانب الجدار، هل هو صعب أن يفهم أحد أن هذه الدائرة محاطة بكل ما يلزم اتقاء لشر العالم خارجها.

أجلسُ وسط الصمت الخاص بي، محاطة بكل هذه الضوضاء الأليفة، قهوةٌ سوداء، أطلبها مركزة، في حجم صغير دائماً، لم أكمل يوماً كوب القهوة المتوسط، مع أنني لطالما وعدتُ نفسي بذلك، لكنني أسهو، ربما في كل تلك التفاصيل الصوتية خارج طاولتي ذات الثلاث مقاعد الملاصقة للجدار، أصبحُ غير مرئية، تماماً كما لو أنني تناولت للتو حبة من دواء المهلوسات الأرجنتيني الذي سمعتُ عنه، ربما يكون هذا اسماً حركياً، وقد تحولتُ لبرتقالة، برتقالة ناضجة كما يجب، منتفخة، مدورة، على وشك أن تنفجر لفرط تماسكها، ويعجبني ذلك، إذ أن المهم هو ذلك الإمحاء في نهاية هذا كله، عندما أصبح أنا نفسي ملغية بالنسبة لنفسي، شيءٌ منوم في تدفق الآخرين على الطاولات القريبة، جماعات، أو ثنائيات، يتحدثون بالهمس أحياناً، وبلا مبالاة غير باردة في أحيانٍ أخرى.

فن طليعي، أن تكون خائفاً وراء طاولة خفيضة محاطة بثلاث مقاعد، بما فيها مقعدك، بجانب الجدار، في الزاوية الأقصى من المقهى، تماماً عند الحد الفاصل بين طوله وعرضه، وأضواء النيون الصفراء، ولوحة موظفي هذا الشهر بابتساماتهم التي لا تخفي شيئاً، إذ ينساب منها كل ما تريد معرفته عنهم وعن هذا الفرع من غلوريا جينز، في كل مرة تسمع شيئاً جديداً وترى أشياء لم ترها من قبل، الناس أنفسهم، بعضهم يترددون على هذا الفرع باستمرار، شيء من محاولة الوصل والثبات، لكنك للمرة الأولى غريبٌ لا تألفُ العالم، ولا يزعجك ذلك، للمرة الأولى وإن كنت متردداً من خلف طاولة محاطة بثلاث مقاعد، تكتشف خصائص ما في هذه الوحدة، وخصائص أخرى في كل الناس الذين تعتقد أنهم يتصرفون على طبيعتهم. أنظرُ مثلاً لتلك الفتاة، التي لا تبالغ كثيراً، لا توصم بأنها حساسة أكثر مما يجب، لا تقول الأشياء بدرامية، هكذا يبدو من الطريقة التي تتحدث بها، أنها أكثر سكوناً من أن تبالغ، حقيبتها من آغنر، زيتية صغيرة، لا تحمل كتاباً، لهذا تضحكُ الآن، يضحكان معاً، دون أن يكون لأي منهما انطباعات جارحة عن الآخر.

قهوة غلوريا جينز، تجعل الأشياء تتوقف بالنسبة لي، لكنها توقظ شيئاً من السكون غير المرَضي في نفسي، بدلاً من أن تكون الأشياء باهتة بلا طائل، يصبح لذلك الشحوب شيءٌ من الإمكانيات، هل يظن هؤلاء الناس أنهم يعيشون مثل الآخرين؟ هل لديهم نزعة عاطفية، تجعلهم يحيطون أنفسهم بثلاث مقاعد في الهامش. وعندما يعودون إلى بيوتهم، كيف يستديرون للوقت الذي انقضى، كيف ينتهي اليوم دون الشعور بأن ثمة مغالاة في تأمل الزمن وهو يمر؟ أريد أن أكتب، عن تلك الأسرة الأردنية التي تجلس في مواجهتي الآن، وعن آخرين كثر، لكن أحدهم طلب مني مقعدين إن لم أكن أمانع، إذ أن عددهم كبير، كبير جداً وهم بحاجة ماسة إليها. تنفرط فسحتي ويقوض محوي.

يوميات: محاطة بالمقاعد الثلاثة.

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share