يوميات ١٠-١٠-٢٠٢٠

مضى زمن طويل على آخر تدوينة لي. مرحباً أنا الآن في إسطنبول، في شقة شاعر تركي يدعى ماتين وصديقته المصورة سيلن. عندما أنظر حولي أحاول أن أحتفظ بكل شيء في ذاكرتي، حتى الكلمات التركية على أغلفة الكتب في مكتبة ماتين الكبيرة، واللوحات الموزعة في الشقة، إحداها لوحة لأبيات شعرية مختارة لناظم حكمت. أستطيع تهجئة بعض الأسماء لأن اللغة التركية تعتمد على الحروف اللاتينية، تعرفتُ في المكتبة على غوغول، وديستوفيسكي وتولستوي وبريخت، استنتجت من أماكن هذه الكتب، أن المكتبة مصنفة حسب نوع الكتابة. أطفئتُ كل الأضواء واستلقيتُ على الكنبة، متلحفة بغطاء سميك ومع ذلك أشعر بالبرد الشديد، وبرغبة هائلة في تجويف هذا البرد من لسعات الأسى، التي أحسُ بها كلما شعرتُ به.

كنتُ أقرأ أدريان ريتش قبل كتابة هذه التدوينة، قصيدتها أغنية التي ترجمها محمد عيد إبراهيم، منذ قرأتها أول مرة وأنا أعود لقراءتها دائماً، اليوم وبينما أتمشى في إسطنبول دخلتُ لمكتبة كبيرة، لم أستطع شراء أي كتاب منها لأن جميعها بالتركية، خفق قلبي عندما استطعتُ معرفة كتاب فروغ فرخزاد رغم ذلك، التقطتُ له صورة، ربما تكون الأعمال الكاملة لا أدري، لكن أليس غريباً أنني محاطة بكل هاته الشاعرات طوال اليوم، وكلهن دون استثناء تقنَ للمس، لتدفئة البشرة، وتساءلن كثيراً عن العناقات والقُبل؟

يضع ماتين على طاولة مكتبه مقابل النافذة المطلة على الزقاق، وسادة خضراء مستطيلة، استنتجنا بعد أيام أنها للقطط، يحب الأتراك القطط هنا، يتوقفون للمسها، والمسح على رأسها والتصوير معها أحياناً، لكنني أكره القطط، ولا أحبها أبداً، وأستطيع الاعتراف بأنني أخاف منها أيضاً، لأسباب كنتُ قد شرحتها في تدوينات عديدة، الآن وبينما أكتب، انتبهت أن القطة خارج النافذة المغلقة، ترتجف من البرد، وربما تظنُ بأن ماتين تخلى عنها! ولم تعتد على سلوك المؤجرة الجديدة أو لا تعرف بأنها هنا الآن، على الرغم من وجودها داخل الغرفة موصدة النوافذ، إلا أنها ترتجف من البرد أيضاً ومن الخذلان. وبما أنني أمام كلمة زقاق التي كتبتها هنا لا بإصرار، بل بكل عفوية، فهذه مناسبة جيدة لأقول ما قالته فروغ في قصيدتها هدية: “حبيبي لو أتيت لتزورني/ أحضر لي مشعلاً/ وشيد لي نافذة صغيرة/ لأنني حينها سأشاهد الحشد الصاخب للزقاق السعيد.”

تمشيت عصراً في شارع “جيهان جير” وجلستُ في إحدى مقاهي المنطقة هناك، قبل أن أشهد الغروب من على حافة منحدرة والبحر من أمامي، وطبقات من المباني والمساجد والقصور القديمة تحيط بالبحر، لا العكس، عرفتُ هذه المنطقة من اورهان باموق في إسطنبول الذكريات والمدينة، كان لديه مرسم يتردد عليه هناك في مراهقته، على ضفتي الشارع تتوزع مقاه ومطاعم عصرية، وهي قريبة للغاية من جامعة إسطنبول كما أظن، لم أركز في اسمها جيداً، ومن الجيد أنني أقرأ “متحف البراءة” هذه الأيام لباموق أيضاً، حيث يعيدُ تعريف الزمن، ولحظات الإحراج الصغيرة التي يشعرُ بها المرء عندما يتردد على بيت اقربائه أربع مرات في الأسبوع، يجرفني كل ما في القصة، لم أتوقع أن أحب كتابة عاطفية بهذا القدر، لكن بها من الحذق والحرفية ما يجعلني مستميتة على متابعة قراءة القصة التي تقع فيما يزيد على ٧٠٠ صفحة. لم أكن أخطط لقراءة رواية عن الحب هذه الأيام، كنتُ قد اخترت “إسمي أحمر” لكنني عرفتُ أن باموق وبالموازاة مع كتابة روايته هذه، أنشأ متحفاً بالاسم نفسه، لم أكن أتخيل أن الرواية عاطفية، لكنني تورطتُ بها.

أكثر شيء يخيف في الحب، هو عدم القدرة على أن تُحس نفسك جديراً به طوال الوقت، وحتى ان فعلت، هذا لا يعني أي شيء، لا يعني أنك تستحق مزيداً من الحب، أو تستحق الإخلاص، أو الوفاء، هذا لا يعني أي شيء على الإطلاق، يمكن أن تستسلم لأن الحب هزيمةٌ منذ البدء، واذا كنتَ جباناً مثلي، تترك الحب وتمضي، ترفع لا رايتك البيضاء، بل تصبح يدك بيضاء، جزئك الواصل يائسٌ مثل سلحفاة تتغطى جيداً بقوقعتها. في فصول عديدة يشرح باموق ألم العشق، هنيئاً له هذه الشجاعة، أنا لا أعيش هذا الألم، بل أفرُ بدمي وبشرتي بعيداً، مثل ما تفعل الجيوش التي لا تعرف لم علها تحارب ومن؟

حزينة مثل قصيدة “أغنية” لأدريان ريتش.

سأعود للكتابة في الايام القادمة…

يوميات ١٠-١٠-٢٠٢٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share