يوميات: ٢٣- ديسمبر.

فقدتُ القدرة على المقاومة، كنتُ في كل مرة أسقط فيها وبحكم العادة أشعرُ أنني سأقوم قريباً لأنني مضطرةٌ لذلك. كان شيء ما في هذا الإدراك بعدم وجود الخيار أمام النهوض مجدداً يدفعني للأمام، إلا أنه الآن لا يجدي نفعاً. أشعر برغبة كبيرة في الانكفاء على نفسي، والتوقف عن التفكير في أي شيء، التوقف عن الإحساس، آه كم يتعبني الإحساس بالأشياء، لكن ولحسن الحظ أنني لم أتخلَ عن القراءة، حاولت قراءة أكثر من كتاب وقطعتُ شوطاً فيها، لكن الضجر يتملكني، أو الخذلان، لم أستطع إكمال رواية ايلينا فيرانتي أيام الهجران، شعرتُ أن شيئاً ما بليداً في ذلك النص، ومثل السديم، تذكرتُ المرأة العسراء لهاندكه، والغموض الذي يلفُ لحظة الانفصال، الصمت، والعزلة، وشعرتُ بأن مواصلة قراءة فيرانتي ليست خياراً جيداً الآن.

 وصل كتاب “تراتيل ثعبان البحر” لباتريك سفيلسون قبل يومين، بدأتُ بقراءته، يبدو أنني وجدتُ ضالتي، هأنذا أقرأ عن عالم محايد، لا أعرف إن كنت صفة الحياد دقيقة، لكن شيئاً يشبه مرآة مصمتة، مستوية، وبدلاً من أن تضعها في مواجهتك، تشعر بأنك تمشي فوقها، بعد مائة صفحة، أعجبتني الكتابة، كما أعجبتني ثعابين البحر، بغموضها، ولغزها، بأطوار حياتها، وبألوانها، بعزلتها، وبصبرها الصلب، وبانتظارها الذي يفوق أي انتظار عرفته، لقد بدا لي أنني أعانق ثعبان بحر وأتوسلُ إليه البقاء بجانبي قليلاً، يسليني صبره، يسليني إيمانه.

لا أعرف لم آخذ كل شيء على محمل شخصي، دون استثناء حتى الأشياء الصغيرة، كلها ترتبط بوجودي وتهدده، أريد أن أستجمع قوتي، لكي أصرخ، لا لكي أنجد نفسي، محطمة ولا طاقة لديّ للمحاولة مجدداً، لا أخرج من شقتي التي أعيش فيها وحيدة، مع أنني كنتُ أحب الخروج والقراءة في المقاهي، إلا أن ذلك بدأ يضايقني منذ بعض الوقت، إن رؤية الناس، إن مواجهة محدودية هذا المكان الذي أعيش فيه تحطمني، وكل الارتباطات تمثل بالنسبة لي عبئاً لم أعد أطيقه، لا أريد مراعاة أحد ولا شيء، من يراعيني أنا؟ من يحنو علي؟ من يتفهمني؟ من يقول لي أنا أراكِ، حتى عندما أخفي نفسي قسرياً، من يقول لي، أستطيع الوصول إليك رغم ذلك كله؟

وردني اتصال من موقع كتبتُ فيه مؤخراً، تحديداً من محرر المادة التي كتبتها، كانت كلماته القادمة من بعيد عن نصي ذلك، قد بانت لي مثل نهاية النفق، إنْ يعجزني شيء فالكتابة يمكن أن تكون قوتي، أن أستمد منها طاقة الاستمرار التي لا أمتلكها، أن أكون خفيفة فيها وعذبة على عكس وجودي الثقيل الذي يزدادُ ثقلاً كلما مر الوقت، ما لذي يفكر فيه الآخرون، عندما يرون مدى هشاشتي، عندما يقرأون ما أكتبه كما لو أنني عارية من أسمال يطبعها هذا المكان على جلدي، هل يمكنهم رؤية الدم الذي يهدر من عمري كل يوم؟ هل يعرفون أنني لا أريد أكثر من الشعور بالتواصل والتفهم، وأنني أشعر بنفسي وحيدة في جزيرة، تغرق كل يوم، ليست جزيرة فريدة من نوعها، بل واحدة لا قيمة لها.

لا يعني هذا أنني لا أحب وحدتي، أرددُ بيت الشنفرى “في الأرض منأى للكريم عن الأذى” إن محاولاتي للدخول إلى حيوات الآخرين يلفها الخجل، والسؤال المستمر عن “الحدود” التي لا ينبغي علي ّ تجاوزها معهم، متى سأسبب لهم النفور، متى يتعبون مني، ومن حزني، ومن خطوتي الثقيلة، متى عليهم أن يستسلموا لأنني لن أتغير وسأبقى قاصرة على أن أكون “طبيعية” أو أن أكون “بسيطة” وغير معقدة. بالمناسبة هذا لا يضفي علي أي نوع من السحر، أعرف لعبة ادعاء التعقيد أو الاختلاف، أعرف كل ألاعيب العالم هذه، لكنني لستُ هكذا أبداً، آمل أن يصدق أحدكم هذا، لأنني سأحزن أكثر اذا لم تفعلوا.  

يا ثعبان البحر الذي يسبح الآن في بحر ساراكسو، الذي يقرر أن الوقت قد حان لكي يلد/يموت، كل خطاف سنارة تنجو منه، أنجو منه، كل موجة تدفعها لوطنك، مهما كنت بعيداً، عائداً لمكانك الأول، تعيدني أرق، كما لو أنني ثعبانة بحر كانت كل هذا العمر تنتظرك.

يوميات: ٢٣- ديسمبر.

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
11 Shares
Tweet
Pin
Share11