يوميات: ٣١- ديسمبر

يقول لي عبدالله، من لا يشاهد القمر هذه الليلة سيخسر كثيراً. أخشى النزول لوحدي في هذا الوقت المتأخر، ومع ذلك أشعر برغبة في مشاهدة القمر، أكتب لهم على جروب الواتس اب: سأنزل حالاً. أرتدي فوق البيجاما كنزة وردية، كلما رأيتها ابتسمت، لأنني عندما قررت شرائها قبل سنتين، كنتُ أريد أن أبدو مختلفة، حيوية أكثر بدلاً من الألوان الشتوية الباهتة. في موقف السيارات الخلفي، بجانب رمال بوشر مباشرة، وقفتُ والقمر فوقي، وبسذاجة فكرت أن عليّ أن أذهب للجهة المقابلة، لكي أتمكن من مشاهدته أمامي، هل نسيتُ فعلاً طفولتي التي راهنت على أن القمر يلحق بها؟ أول إدراك نرجسي، وربما الوحيد الذي يحتفظ بعذوبة لا نهائية.

مشيتُ قليلاً بخطوات بطيئة متثاقلة، أدور في المساحة الصغيرة للمواقف، أرتدي كمامة، لا أعرف لم أشعر بأنها ستحميني من خطر ما! ربما لأنني امرأة في آخر الأمر، وأشعر أنني مكشوفة دائماً أمام العالم، ومهددة. أستمع لأغنية إيرانية، أعيد تشغيلها كل مرة، تصلُ سيارة أحد السكان، ينزل هو وزوجته التي تحمل طفلاً، رأيتهما قبل شهرين يتمشيان أمام البناية، والطفل الذي في يدها، كان بعد لم يولد، يا تُرا هل يعتبران الأمر سهلاً؟ هل تأقلما مع الوافد الجديد؟ بماذا يفكران عندما يلمحانني الآن، غريبة؟ وحيدة؟ أو أنهما لا يمتلكان هذا المنظور، ويريان امرأة بكمام لا يبدو أنها تمارس الرياضة، ربما تنتظرُ أحداً.

لو مرة، عبرتُ أمام هذه البناية ما الانطباع الذي سيتولد لديّ؟ دائما ما أضع هذه المسافة بيني وبين كل شيء، لدي نزعة للإحساس بقدر متعاظم بكل ما هو في حياتي، لستُ من أنصار أن فقدان الأشياء يدفع الانسان لتقديرها، وربما لأن الواقع يتواتر باستمرار مع الحلم، لا أريد أن أُفقد أي جسم من أحلام يقظته، من ( سحارته.) سأشاهد البناية البيضاء يقطعها خطين رماديين، لونين تطلى بهم البيوت الحديثة، التي لا توحي بشيء سوى البساطة المصطنعة، والتخلي الفانتازي عن الميل نحو أي شيء عدا ما هو عصري، زاويا مرسومة بدقة، وشبابيك بمقاسات كبيرة، سأفكر بأن سكان البناية، ليسوا عمانيين في الغالب، فموقعها بجانب الكليات جاذب للأساتذة فيها، ولأن الأمهات العمانيات سيتجنبن رمال بوشر، وهن اللاتي يقضين الوقت في مسح الغبار عن كل شيء، حتى عنا! فلا يبقى من وجوهنا شيء، سوى لطخة وجه كان يحق له أن يخطئ، لكن لم يكن متوقعاً منه أن يفعل ذلك أبداً.

عندما أقرر العودة لشقتي، رقم ١٣، أفاجأ بأن الزوجين أغلقا الباب الخلفي ورائهما وأنا لا أحمل مفاتيحي معي، عليّ أن أدور حول البناية لأدخل من الباب الأمامي، وفي رحلتي القصيرة هذه لمحتُ نفسي في الواجهات الزجاجية العاكسة لمحلات البناية الفارغة، تذكرت على الفور وفي غمرة البرد، مشهد المرآة في رواية الأموات لجيمس جويس، في الفصل الأخير منها، خصوصاً وأن الثلج كان يتساقط في ذلك المشهد، لم يكن أكثر من نظرة عابرة في المرآة بينما رغبة جامحة تتملك الرجل ليهيمن على حبيبته، لكنه يشاهد قميصه في المرآة في طريقه إليها مستلقية على الفراش. أنا أمام زجاج واجهات محلات البناية غير المشغولة، شاهدتُ بيجامتي أيضاً. آه كم أحب الأموات لجيمس جويس وكم أحب مشهد عودتهما للفندق، وكل ذلك الحزن، كل ذلك الثلج، وتلك النظرة العابرة للمرآة.

يوميات: ٣١- ديسمبر

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share