يوميات: ٩- يونيو – ٢٠٢٠


لا شك بأنني تعلمتُ أن أكون واقعية بالطريقة الصعبة، حتى أنني إذا شرعتُ في تفسير بداية هذا كله، لن أستطيع تحديد شيء. ربما كان قبل ٥ سنوات عندما اضطررتُ للعودة من الكويت، وربما حدث هذا منذ وقت طويل، لا أستطيع معرفة ذلك مهما حاولت. ما أثار هذه الفكرة الآن، محادثة أجريتها مع أختي، تعودتُ أن أمتلك الإجابات مع أخوتي، لأنني الأختُ الكبرى، يفترض بي أن أفعل، لا لأملك مهابة ما، بل لأنهم يريدون مني ذلك. لطالما شعرتُ بالمسؤولية، وبرغبتي في أن أحميهم، هكذا أتحول للنسخة التي أكرهها من البالغين لكن هذا ما أنا عليه. عودة للمحادثة، كانت تقول لي أنها تتمنى لو تعيش في مكان آخر، وتكون أكثر حرية، تعيش حياة عادية خالية من الصراع على البديهيات. لكنني قلتُ لها أنني أفضل حياتي هذه، لديّ شقتي الواسعة لي وحدي، وسيارتي، وعملاً لا يتطلب ساعات طويلة خارج البيت، وأجراً لا بأس به في نهاية الشهر.

لأنني أعرف جيداً أنني لا أمتلك أي ردة فعل أصيلة، أصطنعها طوال الوقت! إن كان هذا سيشعرك بالعافية، أن أدعي شيئاً ما، فليكن، سأفعل هذا باقتدار حتى النهاية. في أوقات كثيرة كانت التعازي تنهال عليّ لخسارة ما، أو محاولة إثارة اهتمامي باتجاهٍ جديد، لكن ما كنتُ أشعر به دوماً هو الحزن على أن هذا كله لا يعنيني بالقدر الذي يسمح لي بأن أمتلك اهتماما حقيقياً به. في أصعب الأوقات كنتُ أفكر مالذي يجب أن أحس به الآن، كيف يشعر الناس في مثل هذا الموقف؟ عندما كدتُ أموت في حادث سير، كنتُ أفكر قبل لحظة الإغماء بما يجب أن أشعر به لكنني لا أتوصل إليه.

ربما تكون تلك طريقتي في الهرب، أو الهيئة التي يظهر بها عدم اهتمامي أخيراً، أنني لا أريد شيئاً آخر، وأن كل ما أتمناه أن تستمر المؤسسة التي أعمل بها في منحي تأمينا صحياً شاملاً سارياً حتى أموت، لأنني اذا ما كنت وحدي كما أنا الآن، فلابد من أنني سأحتاج لرعاية صحية جيدة بين الحين والآخر. قد يكون هذا جبناً، أو شجاعة من منظور آخر، لكن مالذي يهم فعلاً في تحديد ذلك؟

حاولتُ كثيراً أن أبدو مهتمة بالفعل، وضعتُ خططاً لكي يبدو مظهري أفضل، تخيلتُ أنني لستُ بوهيمية كما أدعي، لأن هيئتي لا تناسب أزياء الهيبين، كل قميص يفترض به أن يكون ” oversized” يصبح مأساوياً عندما أرتديه، وأظافري طويلة، حتى أنني لا ألقى إطراءً على شيء كما أتلقاه عليها، وأصابعي ليست نحيلة، قلتُ ربما يجدر بي أن أرتدي كعباً، وملابس أكثر رسمية، عبايات واسعة بطراز جديد، قصيرة بعض الشيء، فعلت،! وكان مظهري جيداً، سعدتُ به لبعض الوقت، ثم نفرتُ منه، وتعبتُ من مواصلة الاهتمام التي تتطلب أضعافاً من انتباهي، على عكس الآخرين كما يبدو لي. ثم إن هذا لا يشبهني بطريقة ما، مع أنني لستُ متأكدة من ذلك. حدث هذا التغيير بعينه مرات عديدة، يبدأ بأن أنفق مالاً على عبايات جديدة، أحذية جديدة، حقائب، ليس من الضرورة أن تتسع لكتابي، المهم الآن هو أن تركزي على مظهرك، لكن هذا لا ينجح أبداً.

الكتابة أهمتني بالفعل، لا أستطيع حصر المرات التي غادرتُ فيها الفراش لأنني أريد أن أتعلم لكي أصبح كاتبة جيدة. المرات التي دونتُ فيها ملاحظات عما أقرأ، أو عن نزهة ما، أو تحمل الأشياء لأنها ستكون خامات كتابة قادمة. ومع ذلك أتذكر جيداً أول رسالة رفض وصلتني عبر بريدي الإلكتروني لأول مخطوط سلمته، لم يكن ذلك شيئاً، لا أعني أنني أتحرر من شيء ما كلما حدث هذا معي، ليس الموقف بهذه الإيجابية، ربما تكون كلمة محايدة أقرب لطبيعتي، كما لو أن شيئاً لا يخصني بالفعل! وكلما أدركت ذلك جن جنوني، يتحول ذلك الحياد لحالة من الهستيريا والجنون، أرغب في أن أنتقم لا أعرف ممن، ولا كيف سأفعل ذلك. ثم لا أستطيع أن أميز في العالم غير طبقة شفافة من الكذب، تطفو فوق سطح الأشياء، كما لو أن من المستحيل أن يشعر الناس بكل هذه الأشياء التي يدعونها، وأن طبيعتنا أشبه بخلية وحيدة، لا تستطيع حتى أن تلمح أثراً لتغذية راجعة، تعيش حتى تموت ببداهة، لكنها ترفض ذلك.

أنزلقُ كثيراً وتبدو حياتي منجزة، يأسي منجزاً، كآبتي منجزة، وبعدمية سلبية، أدعي مرة أخرى أنني راضيةٌ بأن لا أحب، وإن أحببت أن لا نسير معاً إلى الحديقة، لنضع حلزوناً على أيدينا ونضحك كثيراً بينما ألتقط صورة ليدي بجانب يده، مع حلزونين رماديين! لدي شقة واسعة، صحيح أنني لا أمتلكها، لكن هذا لا يعني شيئاً الآن، أستطيع تغييرها متى ما صارت قديمة، وبالأجر الذي أستلمه نهاية الشهر أستطيع أن أدفع ثمن تذكرة سفر لأمستردام، وأن أجلس في ليلة مطيرة تحت مظلة زجاجية، عند الساعة ١٢ وأضواء النيون البرتقالية تتألق في حبات المطر، بجانب قنوات مائية ساكنة، ومدينة مازالت قديمة رغم كل شيء، وأن أفتح هاتفي النقال لأقرأ المجموعة الشعرية الأولى لوديع سعادة “إخوة المساء” كما فعلتُ الصيف الماضي.

ثم أنظرُ لهذه الوحدة، وكم أكره هذه الكلمة من أعماق قلبي، لكنني أفتش عن تاريخيتها، مخالفة جان جينيه الذي قال أن قراءة جمالية لوجه ما، لابد أن ترفض أن تكون تاريخية، أحاول أن أفهم أين هو موقعي الآن، كيف أبدو كفضلات عصر كامل، حتى أنني لستُ في أفضل الأحوال أخصُ المكان الذي لطالما عشتُ فيه. قدر لي وأعرف ذلك أن أكون غباراً، خليطاً من مصائر عديدة، أو ربما، وأقول ربما، أنني توقفتُ عند اللبنة الأولى التي جُبل عليها الإنسان، الحزن! وأنني الوحيدة التي لا تتظاهر بغير ذلك الآن.

أخيراً: أحبُ اللون الأزرق، لكن اللون الأزرق في هذه الصور لم أشاهده بالعين المجردة قط، لابد وأنه من تعديل فنان مبتدئ، يظن أن مبادئ الفوتشوب يمكن أن تنقذ إنساناً وتغمره بالزرقة حتى وإن كان بعيداً في الصحراء، بعيداً كل البعد عنها.

يوميات: ٩- يونيو – ٢٠٢٠

تعليق واحد على “يوميات: ٩- يونيو – ٢٠٢٠

  1. لا أعرفك ولا أعرف قصتكِ أو اسمك أو مكانك في هذه الحياة إلا أنني رأيت رابط هذه المدونة في التويتر ولا أعرف لماذا ضغطت عليها؟ ربما لأنها كان تحمل عنوان يوميات وهو أكثر ما أقدّره، أشكركِ لكتابة هذه الكلمات و لمشاركتها، لامست قلبي، طبطبت عليه، تحدثت معه مباشرة، شكرا لكِ من أعماق هذا القلب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share