يوم صيفي هادئ.

كان يوم عمل شاق. قضيتُ وقتاً في الأرشيف بحثاً عن مادة لبرنامج خاص، وهكذا دفنتُ نفسي تحت موجات الحنين الجارفة، كل شيء بدا مختلفاً، الأصوات، الطريقة التي قُدمت بها البرامج منذ السبعينات وحتى هذه اللحظة، والأسماء التي لم يبقَ منها أحد. فرأيتُ المستقبل، وهباء هذه اللحظة، كما لو أنها غبار محض، أو سراب يقطع طريقه إلى مكان ما، إلا أنه يقطعه بخشونة بالغة. بعدها بدأت الاستعداد لكي أكون على البث المباشر ظهيرة اليوم، وهكذا انقضى النهار. لم أستطع النوم ليلة أمس، قضيتُ الوقت أفكر في حلقة اليوم، إذ كان موضوعها بطبيعة خاصة، عن مذيع تقاعد بعد ستة وأربعين عاماً من العمل، أثث صوته الذاكرة الجمعية لأربعة عقود من الزمن.

عندما عدتُ للبيت، أخذتُ حماماً وارتديتُ منامة حريرية، دهنتُ جسمي بزبدة الشيا، رفعتُ شعري عن وجهي، وتناولت وجبة غداء خفيفة، ثم استلقيتُ على فراشي، هكذا حتى بدأت أغيب في ذلك السهو الناعم، عرفتُ أنني سأنام أطفئتُ الموسيقى، لم أعد أحب التكييف البارد، رغم حرارة الجو، درجة حرارة ٢٥ كما يؤشر لي الريموت كنترول، ونمتُ. حلمتُ أنني في بيت عائلتي، وأن أختي اكتشفت شبحاً، سرعان ما تجسد على هيئة إنسان بأظافر طويلة، ووجه يختبئ وراء قناع، كان يحاول جرنا للخارج، وكنا نصرخُ بشدة، خفتُ كثيراً، حاولتُ أن أحذر أختي الصغرى، لكنها لم تكن لتدرك حجم معاناتنا أنا وأختي التي تصغرني بعام واحد، كان يدخل يده من النافذة، ونفزع دون أن نجد ملاذاً. اقترحتُ على أختي في الصباح التالي، أن نشتري زجاجات المياه الحارقة، وأن نستخدمها، لكنها ردت عليّ: لن يكون عليك أن تكذبي في ذلك الوقت، فاستنتجتُ أن هذه المادة تحرق بدورها يد الكذاب، وتألمتُ لأنها ظنتني كاذبة، أصررتُ بعدها أن أرافقهم للمدرسة، وكنتُ أرتدي قميصاً كحلي وتنورة بيضاء، ولا أعرف لم خيل لي أنني أستطيع اللحاق بهم في المدرسة أيضاً، لكنهم ضحكوا علي، وبدا بعدها أنني كنتُ قد تغيبتُ عن مدرستي أياماً طويلة ولم يعد مسموحاً بأن أعود إليها.

بعد أن استيقظتُ من نومي، شربتُ فنجان قهوتي الذي أجلته طويلاً اليوم، شغلتُ التلفاز على قناة (تامينو) وبدأت أغانيه تصدحُ في الغرفة، كنتُ سأواصل قراءة كتاب كافكا السنوات الأولى لراينر شناخ، لكنني تذكرت مشوار المشي لروبرت فالزر، بقي لي في هذا الكتاب، ثلاثون صفحة. بدأت بقراءته في نوفمبر ٢٠١٨ وكنتُ مسافرة آنذاك لبلد عربي، انتهى بإجرائي لعملية جراحية صعبة، ولم أكمل القراءة حينها، كنتُ أتجنب قراءته لفترة طويلة، وقبل نحو شهر من الآن، أعجبتني قصة لفالزر بعنوان ” آخر العالم” وقررتُ إكمال الرواية، لكنني لم أستطع فعلها للمرة الثانية، هل كان هذا بسبب التعب الذي صاحب قراءتها في المرة الأولى، هذه هي التعاسة في تعريفها المثالي بالنسبة لي، لكنني اليوم، ودون جهد كبير، أنهيتُ الكتاب، وشعرتُ بأنه يشبه الملامسة، يشبه أن يعانقك أحد، وأن يهدئ من روعك. أعدتُ قراءة بعض المقاطع بصوتٍ عالٍ، ضحكتُ عندما كان يتراجع عن وصفه لقاطع الأشجار ب”الأخرق” وفاقد الإحساس والضمير”، كانت قراءة ساحرة، ومع كل جملة جديدة، إندفع السلام إلى أعماقي.

يوم صيفي هادئ.

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share