2/8/2020

على الرغم من أنني عادةً لا أكتب عن موضوع بعينه، إلا أن ثمة مواقف تدفعني للكتابة، هذه الأيام أشعرُ بأنني أفيض بالمعاني المجردة، أستطيع أن أقول إنني أحب وأكره، وأمتعض، وأنني حزينة جداً، وغاضبة لكنني لا أقوى على قول ذلك في حدث أكتبه، لا أستطيع أن أتخيل مشهداً واحداً صالحاً لأن يُقص عن حياتي بأسرها، في الوقت نفسه، يمكن أن أكرر جملة: أشعر أن قلبي يُنتزعُ بعنف وببطء من مكانه. لكنها لن تبدو كتابةً تجريبية، مهما بالغت في هذا التكرار، ومهما حاولت أن أصطاد من المجازات. تذكرتُ نصاً أحبه لأحمد الزعتري، يكتب فيه عن الهجرة التي لا تنتهي وعن الأفكار التي عادة ما ترد لأذهاننا بمجرد أن تنطلق إشارة ألفناها حول تلك الفكرة، وبالخاتمة الحزينة لذلك النص عندما كتب “وحيث أكتب هذا كله على الفيسبوك وبيني وبين السفارة الإسرائيلية في الرابية ٦ كيلو و٥٠٠ متر.” وعلى الرغم من أنها خاتمة حاسمة لنص لاهث، إلا أنني أريد أن أكتب شيئاً مماثلاً، فكل الطرق تؤدي إلى إسرائيل. 

وفي مثل هذه الأوقات يتولد لديّ ذلك الإحساس الهستيري بالزمن، وهي فضيلة إذا ما قورنت بالطريقة التي أعرف بها الزمن الذي يمر، فلستُ أشعرُ به في العادة، خصوصاً بعد عودتي من الكويت، وكلما تعقدت حياتي لتصبح شيئاً آخر غير تلك التي أردتها، تنازلتُ عن الزمن، بدلاً من النفس اللوامة، فلا بأس بأن ينقضي، طالما أن ذلك يعني أن هذه الأشياء نفسها ستمر، أو أنني سأستلم لها في آخر الأمر. جلستُ اليوم على المكتب في غرفة النوم في منزل عائلتي، جمعتُ صوري الفوتوغرافية القديمة كلها، وقررتُ أن أكتب عن طفولتي كما تبدو في الصور، بالتأكيد فكرتُ في سوزان سونتاغ وفالتر بينيامين، وموقع مدام، لقد حسمتُ أمري، سأحاول أن أُنطقَ هذه الصور، وعندما بدأت بالكتابة ، كان كل شيء جيداً، هنالك أزهار ريحان، مطبخ معزول، طاولة خشبية محطمة، وأواني متروكة فوقها لتجف بعد الغسيل، وأنا لا أنظر في عين الكاميرا، ثم بدأ كل هذا يختفي مجدداً، ولم يعد لدي شيء لأقوله، ووقفتُ عند الكلمة الخطأ مجدداً “حزينة” تومضُ رغماً عن الطابع الأكاديمي الذي فرض نفسه على تلك الكتابة، وميضٌ قوي كما لو أنه قادمٌ من زمن آخر.

إشعارٌ من بنك مسقط بسحب مبلغ ١٠٠ ريال، أعطيتُ بطاقتي لأخي لكي يستطيع استبدال قطع غيار خربة في سيارتي، الصوت الذي تصدرهُ مقلق، لا شك بأنه أتم هذه المهمة، وها هو يستخدم البطاقة الآن للحساب، قررت أن أقف متسمرة عند الباب، حتى يعود، فأستطيع تجربة السيارة قبل أن يبدأ وقت حظر التجوال عند الساعة ٧ مساءً. يقع الباب الخارجي حيث مواقف السيارات، بجانب باب المطبخ، سمعتُ صوت الفرن وهو يعلن نهاية توقيت طبخ الدجاجة التي سنتناولها على العشاء، لكن أحداً لم يكن هناك. تساقطت حبات العرق على قميصي الرمادي، في البداية ظننتُ أن محمد لن يأخذ وقتاً حتى يعود إلى البيت، ثم انتبهتُ للصحراء التي أمامي وقد غدت شيئاً حسياً يبتلعني على الرغم من محاولتي الهرب، كانت الحرارة تضغط أطرافي خطر لي أن عليّ الدخول للبيت فوراً، ومع ذلك واصلت الوقوف هناك وأنا أبكي بشدة، معلنة النبرة نفسها “أنني حزينة جداً”

جاء محمد وأوقف السيارة مقابل الباب، لكنه لم يمر من أمامي كما لو أنني لستُ موجودة بالفعل، كما بدأت أحسُ رغم ثقل الرطوبة والصهد على جسدي، كما لو أنني غرفةٌ مكتومة. بل نظر إلىّ مطولاً قبل أن يقول لي أن سيارتي بحاجة لعمل كثير ولم ينجز منه سوى القليل، وأنني شابة صغيرة، ينبغي أن تليق سيارتي بي، وأنه لن يفهم أبداً لمَ كل هذه الخدوش، والارتطامات، ولا كيف وقعت، ولا كيف يمكنني تجاهلها كل هذا الوقت. شعرتُ حتى فيما يتعلق بسيارتي الخربة، أنني مطاردة على نحو لا عودة منه.

2/8/2020

تعليق واحد على “2/8/2020

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تمرير للأعلى
6 Shares
Tweet
Pin
Share6