7/2/2021

كنتُ أشاهد فيلماً عندما فكرتُ في لقاء أصدقاء المدرسة الثانوية، المناسبة التي تَستقلُ البطلة القطار للالتحاق بها بعد غياب دام ٢٥ عاماً، تخيلتُ لو أن لدينا فرصاً مماثلة، ثم عدتُ عن فكرتي عندما تذكرتُ وكأنما أعرف ذلك للمرة الأولى أن اثنتين من زميلاتي متنَّ، إحداهن ماتت غرقاً بعد أن جرف الوادي السيارة التي تقلها للكلية، والثانية ماتت بحادث سيارة ولديها طفلة صغيرة لم تكمل عامها الأول. لا أستطيع أن أكتم بكائي منذ لحظة التنوير تلك، بدا لي أن العالم يخلو من نظرتين، من يدين، ومن لكنتين تختلفان على الرغم من انتمائهما للمكان نفسه. ماذا سيقول أستاذ الأنثروبولوجيا الذي شجعنا يوماً قائلاً أن تعدد اللهجات دليل على الثقافة النوعية في مجتمع واحد، والموت، هل يكون متعدداً؟ هل يخطف الناس من مواقعهم في الحياة، محتفظاً بفرادتهم، بلمستهم الخاصة؟ أقيس المسافة في مخيلتي بين المقعدين اللذين جلستا عليه في الصف المدرسي، وأحاول التأمل في تلك الزاوية علها تنفرجُ عن شيء يلهي انتباهي عن رحيلهما المبكر. وعندما لا أستطيع ذلك، تستطرد مخيلتي في بعث صور للأم المكلومة التي مازالت كل ليلة تبكي موت ابنتها في لحظة إدراك لا تنطفئ أبداً، وأشعرُ كما لو أن نزعتي الأمومية التي أقاومها على الدوام، تنتصر على بشريتي، إذ تنسيني أن النسيان أمر محمود، وأن المضي في الحياة لائق، فأتقهقر، وأهن، ولا يعود هنالك شيءٌ سوى صدى السيارتين المحطمتين في مصير الموت اللانهائي.

ف. كانت تحفظ القرآن، عندما كانت تقاوم الغرق، لابد وأنها صمتت عن ذكر أي شيء، ظنتْ أن تلك اللحظة ستصبح مادة للقصص التي تشاركها في المواعظ التي ترتبها دائما دون أن تملْ، كان الأمل يتسلل إليها، وهي تقتنع كلما انقضى الوقت أن هذا سينتهي، وأن أحداً سينقذها الآن. كانت ترتدي حجابها بطريقة مميزة، طويلاً، والباقي من طرحتها غير الملفوفة تسدله على جسمها كله، كانت تحب أماني، وعندما تتحدث، تتحرك شفتيها كما لو أنها تقاوم الكلام، ولا تريده أن يصدر عنها. ف. قالت لي مرة علميني الكيمياء العضوية، وقلتُ لها تعالي في الفسحة، وفي تلك الفسحة اجتمعت هي وزميلاتٌ لم أعد أتذكر أسمائهن، وكنتُ في مقدمة الصف، أشرحُ دروساً، وأزجي الوقت الأخير ل. ف، قبل أن تودعنا وهي تحملُ عنا أسراراً ناقصة، ولا تعرف عني سوى أنني جيدةٌ في الكيمياء وتحبني أبلة ميرفت، التي ستموت بعدها بسنوات قليلة مصابة بالسرطان.

 أما ش. فكانت معارضة بالفطرة، حاقدة على النظام، تقول إنها لا تحبُ البلاد، وتحطم آلهتنا، وكنا صغاراً نردُ عليها بسذاجة، كانت قد سبقتني إلى مستقبلي، وتركتني أنعم في التفوق الدراسي الحزين، حاصلة على المركز الأول بينما هي في المرتبة الثانية، كانت تعرف على الرغم من كراهيتها لي، أنني متواضعة جداً بالنسبة للسماء التي تطيرُ فيها حرةً وخالدة، وبعد رحلتها القصيرة لأستراليا في بعثة لثلاثة أشهر، عادت لتموت، وأنا أتلمسُ خطواتي نحو سمائها هي.

في الطابور المدرسي كنتُ أقف في المنتصف، فلستُ بالقصيرة ولا الطويلة، وكانتا في المقطع نفسه من تلك السلسلة، عند تفتيش الأظافر، نُظهرُ خوفاً صقلته التجربة، ونراقبُ أظافرنا التي نحرص على قصها، وعندما تطلب منا المعلمة أن نرفع المريول الطويل لتتأكد من أننا نرتدي بنطال المدرسة الأبيض، نرفعه سوياً في الوقت نفسه، دون أن نظهر امتعاضنا من سوء المعاملة، مبتهجين بالصورة النموذجية التي نحققها ارضاءً للقوانين، لكنني أتذكر مرة قالت فيها ش: لماذا بنطال أبيض إن كنا نرتدي مريولاً طويلاً. وقلتُ: شكل من الإذلال الضروري لنصبح متشابهين، سمعت صديقة أمي تقول أن الهدف من الزي المدرسي أن لا تظهر الفروق الطبقية، ثم لم نكمل الحديث، لأنني انشغلت بالنظر إلى حذائي المغبر، و كان دورها قد وصل، لترفع مريولها الطويل وتدلَ المعلمة على بنطالها. أين بنطالها ذاك؟ هل أُحرق؟ هل رموه في مردم النفايات العمومي؟ هل يدلني شيءٌ على امتثالها للحياة، أي شيء حتى وإن كان ذلك الطابور السخيف الذي كنا نحاول النجاة منه؟ لا أريد العودة للقاء صديقات المدرسة، لا أريد ذلك أبداً.

7/2/2021

اترك تعليقاً

تمرير للأعلى
0 Shares
Tweet
Pin
Share